موسوعة النهرين

ما وراء حملة المداهمة على الجلبي


لورين ملروي الخبيرة بالشؤون العراقية في أميركا
جريدة النيويورك صن

محمد الموسوي
تورنتو/كندا
cptn_future@hotmail.com

24 آيار، 2004

الحملة الأميركية ضد رأس المؤتمر الوطني السيد أحمد الجلبي هي أحد الأعراض لسلسلة طويلة من الأخطاء لخطوات غير محسوبة في العراق.
عندما فاز الرئيس الأميركي بالإنتخابات الرئاسية ورث بفوزه هذا أخطاء وكالة المخابرات المركزية الأميركية، والتي إرتكبت منذ حرب الخليج الثانية عام 91. لقد عكست حرب العراق الأخيرة هذه تغيراً جذرياً في السياسة الأميركية مقارنة بسياسة الإحتواء التي كانت متبعة من قبل. هذه السياسة الجديدة لم يعقبها أي تغيير في الطريقة التي تنظرالوكالة من خلالها الى الملف العراقي. هذا الفرق بين السياسة المتبعة والنظرة التي ترى بواسطتها الوكالة العراق هو السبب الوحيد للحملة الأخيرة على السيد الجلبي. ولكن على الرغم من هذا الفهم الخاطئ للوكالة للقضية العراقية، فأن البيت الأبيض لحد الآن لم يستطع أن يفهم شروط العمل في محيط ما والذي الوكالة لا تفهم مواطنه الحساسة أساساً.
عندما حصل هذا الشئ في ثمانينات القرن الماضي مع الإتحاد السوفياتي في عهد الرئيس ريغان، قام هذا الأخير بإتخاذ خطوات جبارة في سبيل تصحيح الوضع الشاذ هذا، والذي أدى بالتالي الى إنهيار الإتحاد السوفياتي بالكامل. لم يحصل أي شئ من هذا القبيل فيما يخص العراق. لقد أدار المؤتمر الوطني العراقي برنامجاً ناجحاً جدا لجمع المعلومات الإستخباراتية والذي كان يرأسها مساعد الجلبي السيد أوراس كريم البالغ من العمر 38 عاماً وهو كردي شيعي والذي أبوه كان ناشطاً في الحزب الديمقراطي الكردستاني. السيد كريم نفسه قاتل صدام منذ أن كان في سنين المراهقة. يتمتع السيد كريم بذكاء غير إعتيادي وبإخلاص عال. حتى إنه رئيس أركان الجيش الأميركي السيد رتشارد مايرز صرح في شهادة أدلى بها أمام الكونغرس بأن المؤتمر الوطني من خلال عمله أنقذ أرواح العديد من أبناء الجيش الأميركي في العراق.
توجد هناك العديد من نقاط التوتر مابين السيد الجلبي والوكالة، وهذه ليست المرة الأولى التي يتهم بها الجلبي بمثل هكذا إتهام.
هناك سببان لعدم إرتياح الجانبين لبعضهما البعض، الأول هو بسبب الإتجاه العروبي لهذه الوكالة والذي هو نفس الإتجاه المتخذ من قبل مكتب علاقات الشرق الأدنى لدى الحكومة الأميركية. هذا الإتجاه هو إنعكاس للإتجاهات المتخذة من قبل الحكومات العربية ذات الأغلبية السنية والتي تفضل الطريقة الدكتاتورية في حكمها على الطريقة الديمقراطية، وكرهها أيضاً للشيعة.
لقد تصورت الوكالة عام 91 بأن إنقلاباً سوف يطيح بنظام صدام. وقد أكد هذا التصور السيد روبرت بلاكويل مبعوث البيت الأبيض الخاص الى العراق والذي كان أحد الوجوه في إدارة الرئيس بوش الأب، كشف مؤخراً بلاكويل تفاصيل هذا التصور بأن الوكالة قد أخبرت البيت الأبيض بأن أسراب من طائرات الهيلوكوبتر سوف تساعد في عملية الإطاحة هذه، وهكذا سمح البيت الأبيض بتحليق هذها لطائرات بعد إتفاق وقف إطلاقا لنار وكما نعرف فقد ساهمت هذه الطائرات مساهمة فعالة في قمع الإنتفاضة الشعبية ضد نظام صدام آنذاك.
في العام المنصرم إبتدأت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية إستناداً على هذه الفكرة. الطريقة للتخلص من نظام صدام هو العمل مع أعضاء نظامه المعارضين له. يمكن لهذا السبب فشلت الضربات الجوية والتي تجاوزت الخمسين ضربة في مستهل العمليات العسكرية للإطاحة برؤوس النظام. لقد كانت في أحسن الأحوال مبنية على معلومات وتقديرات خاطئة، أما في أسوأ الأحوال فقد كانت مبنية على معلومات قدمت من المخابرات العراقية نفسها.
لقد قامت الوكالة بتبني فكرة (والتي قبلها البيت الأبيض) حكم عراق ما بعد الحرب ببيروقراطية عراق ما قبل الحرب: بعثيين ذوو أيادي غير ملطخة بدماء الشعب العراقي، والتي أثبتت فشلها الذريع، حيث أن العراقيين يكرهون البعثيين لدرجة أن كل المؤسسات الحكومية إنهارت بالكامل بعد دخول الجيش الأميركي لبغداد.
والآن وفي هذه الفترة والتي تريد بها أميركا تبني حكومة عراقية بمباركة الأمم المتحدة وعلى رأسها مبعوثها السيد الإبراهيمي، (علماً أن هذا الأخير يمثل العقلية السنية التي مر ذكرها سابقاً) سوف يكتب لها الفشل الأكيد، وهذا ما أكده السيد الجلبي، مما أدى بالبيت الأبيض إلى إتخاذ قرار إبعاده عن الساحة، ولكن موظفوا الإدارة داخل العراق ذهبوا الى أبعد مما كان متوقعاً منهم. السبب الثاني للعداء هذا هو فشل خطة الإطاحة بصدام لعام 96 عندما كان فيها رئيس الوكالة الحالي مستشاراً للأمن القومي وقتذاك.
من بين الأمور الأخرى، إتهمت الوكالة السيد كريم بعمالته لإيران على الرغم ن إنه لا يوجد أي شخص عاقل يصدق مثل هكذا إدعاء.
في عام 2002، وبينما كانت الولايات المتحدة تستعد لشن حربها على العراق، أستلمت وكالة الإستخبارات العسكرية الــــ( دي. آي. آيه) ملف المؤتمر الوطني من يد وزارة الخارجية، وقامت بعرض السيد أوراس على جهاز كشف الكذبة والتي إجتازها من دون أية صعوبة.
مع كل هذه المشاكل، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتحول إلى خندق أعداء السيد الجلبي، والذي كان ومازال حليفاً قوياً للولايات المتحدة وإنهاء برنامجه الإستخباري والذي إمتدح هذا البرنامج من قبل أعلى المراتب في الجيش الأميركي؟؟
الرئيس بوش تأتي له معلومات خاطئة حول السيد الجلبي لأنه لم يصحح أخطاء السابق، السيد كلنتون لم يكن يريد مواجهة تهديدات صدام، والتي بدأت للظهور الى العلن في عقد التسعينات، وبالتأكيد لم يكن يريد تبني خطة الجلبي للإطاحة بصدام عن طريق إنتفاضة شعبية، وهكذا رتب موظفوا الإدارة الأميركية أوضاعهم لتناسب تصورات رئيسهم، هذه التصورات أصبحت هي الطاغية فيما بين هؤلاء المتعاملين مع الملف العراقي الآن.
أن السيد بوش يعتقد أن هؤلاء الأشخاص سوف يزودونه بأدق المعلومات فيما يخص الوضع في العراق، ولكن على العكس من ذلك فأن مصالحهم الشخصية تستدعي بأن يقوموا بعكس ذلك.
السيدة ملروي خبيرة بالشؤون العراقية، لها كتب في مجال الإرهاب. وقد إشتغلت كمستشارة للشؤون العراقية في عهد الرئيس كلنتون. قبلها كانت أستاذة في إحدى كليات العلوم العسكرية الأميركية.