المؤتمر التأسيسي ، مرة أخرى

 

 

عبدالمحسن الكاظمي

 kazimi_44@hotmail.com

 

تعاني الثقافة الجمعية للشعوب العربية منذ احتلال فلسطين و بروز التيار القومي العربي  مرض خطير ساهم و يساهم في هبوط هذه الشعوب إلى الدرك الأسفل بين شعوب الأرض . ذلك المرض ، كما هو واضح لكل ذي عينين هو التمسك بالرأي الشخصي و منح مخالفيه كافة أوصاف الخيانة ، العمالة ، التجسس ، مساندة الاحتلال ، الخ . و قبل التحدث مرة أخرى عن المؤتمر التأسيسي الذي شكله بعض أبناء العراق كحل لمعضلة الاحتلال ، أود ذكر بعض الأوصاف التي وُصف بها كاتب هذا المقال كونه أبدى وجهة نظره بذلك المؤتمر :

الكاتب يخلط ، يؤيد التعاون مع الاحتلال ، الاحتيال ، التسلل ! ، مغشوش ، نافل و بليد ، يخلط خلطا فاضحا . و وصف كاتب هذا المقال أيضا أنه ابتعد ( نسبيا ) عن التهجمات الشخصية و التشنيعات الرخيصة التي يلجأ إليها في المعتاد ( الكتبة ) المدافعون عن الاحتلال و مجلس الحكم ، مما يعني أنه من أولئك الكتبة . و هكذا أصبح أي إنسان لا يصفق للتيار القومي أو المؤتمر التأسيسي من ( الكتبة ) و ليس من الكتاب .

 

و التاريخ يشهد الآن أن الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن شعوبيا أرعنا . كما أن عبد الرحمن البزاز لم يكن عميلا خائنا ، كذلك أنصف التاريخ الآن الحبيب بورقيبة الذي نعته القوميون العرب بالخيانة و العمالة و السفالة و كل الذي في  قاموسهم من الأوصاف الكريهة الجاهزة . و لو أردنا ذكر أبطال الوطنية الحقة الذين شتمهم و سبهم  المناضلون القوميون لاحتجنا إلى مقالة كاملة قد نعنونها بصورة مؤقتة ، كما هو دارج هذه الأيام : شتائم القوميون لمخالفيهم من الوطنيين !

 

الجزائر و فيتنام :

 

محاولة تشبيه ما يحدث في العراق الآن بالجزائر و فيتنام خطأ كبير . لأن شعبي الجزائر و فيتنام كانت لديهما رؤية واضحة في محاربة المحتل و مُمثلين من قبل جبهة التحرير الجزائرية بالنسبة للجزائر و حكومة فيتنام الشمالية التي كانت تساند ثوار الجنوب ( الفيتكونغ ) . أما بالنسبة للقضية العراقية فلا توجد الآن رؤية واضحة لمحاربة الاحتلال ( و ما خلاف الكتاب و الكتبة إلا دليلا بسيطا على ذلك )  ، كما لا توجد جهة عراقية مقبولة من جميع العراقيين كي تمثلهم أمام المحتل ( و ما تأسيس المؤتمر التأسيسي إلا دليلا هو الآخر على ذلك ) . أما الحديث عن مفاوضات مباشرة في الخارج و مفاوضات بواسطة هيئات دولية في الداخل فهو أمر غير معقول فالمشكلة ليست في مكان المفاوضات و لكنها تتركز في من الذي سيفاوض .

 

جواد الخالصي :

 

و بالنسبة لجواد الخالصي الذي كثر الحديث عنه هذه الأيام فنحن أبناء الكاظمية نعرف و ندري ما نقول . و باختصار نذكر أن جواد الخالصي يكذب عندما يصف نفسه ، أو عندما لا يكذب من يخاطبه بأنه إمام الروضة الكاظمية لأن هذه الروضة لا إمام لها أصلا ‍! كان  مهدي الخالصي  ( أخ جواد ) يؤم المصلين من جماعة الخالصي يوم الجمعة في مسجد الخالصي قرب ضريح الإمامين الكاظمين عليهما السلام في سبعينات القرن الماضي ، بعد أن يلقي الخطبة متقلدا سيفا خلال ذلك . لكن أهالي الكاظمية و عموم شيعة العراق لم يؤدوا صلاة الجمعة في كافة العهود السابقة لأن من شروط إقامتها عندهم أن يكون إمامها مبسوط اليد ، غير مجبور على قول ما يريده الحكام منه . و لذلك ترى الآن جميع الشيعة تؤدي هذه الصلاة بعد أن أصبحت اليد مبسوطة في ظل بريمر الذي لا يفرض الدعاء له عقب كل صلاة ، بل يسمح بشتمه و الدعوة لحربه و مقاومته من منابر الجمعة . و على أي حال فأن صلاة الجمعة التي تقام في الروضة الكاظمية لا يؤمها جواد الخالصي . و الغريب القول أن العديد من وسائل الإعلام التقت جواد الخالصي في صحن الروضة الكاظمية مما يعني أنه إمامها ! و نحن ندري كيف أصبح أمر إمامة جواد الخالصي للروضة الكاظمية شائعا ‍‍‍‍‍و معروفا من على شاشات الفضائيات العربية . أما الاستيلاء على إمامة الروضة قسرا فلا يمكن حدوثه لعدم وجود هذا المركز أولا و لطيبة أهالي الكاظمية المشهورة و التي بسببها ندعوه مخلصين للكف عن اللعب بالنار فقد تلوثت يد الحركة الخالصية بدماء أبناء الكاظمية في ستينيات القرن الماضي ، عندما كان يسندهم حكم البعث الأول ثم الطائفي الأشهر عبد السلام عارف . أما الحديث عن التومانات الإيرانية فغير صحيح . فبالرغم من حصول الشيخ جواد و أخيه على الجنسية الإيرانية بسبب أخوتهم من أبيهم الذين يحملون الجنسية الإيرانية ، القاطنين في مدينة يزد ، إلا أنه غادر إيران مع أخيه بسبب مشاكل لا نريد الخوض بها الآن . لكن يمكن التنبؤ بأن الشيخ قد يكون  الآن من المتعاملين بالليرات السورية  و مساعدات الشيخ الضاري التي يعلم الله وحده من أين تأتي . و لا نزال عند قولنا أن جواد الخالصي سيكون كاذبا لو أدعى أن أنصاره يتجاوز عددهم العشرات . ثم ما هي جامعة الخالصي ؟ من هم علماؤها ؟ لماذا لم تخرج هذه الجامعة عالما واحدا يشار إليه بالبنان بدلا من الاستعانة بمهدي الخالصي بعد وفاة والده ثم تلبيس جواد العمامة في سوريا بعد مشكلة الأخ الأكبر في إيران . ما هي هذه الحركة على أي حال ؟ هل هي دينية ، قومية ، ديمقراطية ، سنية ، شيعية ، ما هي هذه الحركة التي يظهر رئيسها يوميا على التلفزيون مرددا في كل مرة مقولة لنكولن ( قد تخدع بعض الناس بعض الوقت ، لكنك لن تخدع كل الناس كل الوقت ) . و هي تنطبق عليه تماما . و كلمة أخيرة لعلها تصل مسامع جواد الخالصي الذي لم يسأله أحد حتى الآن عن تحصيله الدراسي أو الفقهي أو مرتبته الدينية ( حجة آية ؟ )  : لقد رأيت بأم عينيك الملايين التي استقبلت الشهيد محمد باقر الحكيم أو التي خرجت في جنازته ، و قد وصفته في أحد البرامج التلفزيونية العديدة بأنه لا يمثل إلا نفسه . يا ترى ، كم عدد الذين استقبلوك عند قدومك من دمشق ، و كم عدد الذين سيشيعون جنازتك ( لا سمح الله ) بعد أن تستشهد و أنت تقاوم المحتلين ؟

 

هيئة علماء السنة :

 

عندما نذكر الشيخ حارث الضاري و هيئته نقول ( هيئة علماء السنة ) و هو الوصف الصحيح لهذه الهيئة التي تأسست بعد سقوط النظام مباشرة . فقد كانت الحاجة ماسة لوجود هيئة تمثل السنة لأن الشيعة منضوون تحت مرجعيتهم الدينية و توجد أحزاب قديمة تمثلهم ، و الأكراد منظمين و ممثلون بحزبين رئيسيين . أما السنة فقد كان النظام البائد ، شاءوا ذلك أم أبوا ، يعتبر ممثلهم و بالتالي أصبح لزاما تكوين حزب أو هيئة تمثلهم . و لا يغرنك اسم علماء المسلمين ، فهذه الهيئة بدون جواد الخالصي هي هيئة سنية تمثل مصالح الماضي و السيطرة الضائعة على مقدرات العراق لمدة تزيد عن الثمانين عاما . و من هنا جاءت أهمية جواد الخالصي لهم و سفره مع الهيئة لمقابلة عمرو موسى الذي لا يريد إلا خير العراق . أما الأرقام التي ذكرت عن نسب أبناء العراق حسب طوائفهم فيمكن لمن يريد أو من لم يسمع بها مشاهدة برنامج ( بلا حدود ) الذي استضاف خلاله المصري احمد منصور حارث الضاري الذي عارض أرقام منصور و قال أن أرقامه تزيد عنها قليلا ، علما أن منصور ذكر نسبة سنة العراق 60% !    و من هنا نغضب . فالكذب معيب للرجل العادي ، فما بالك بالذي يدعي أنه من رجال الدين . فأهالي مدينة الثورة ، الكاظمية ، الحرية و الشعلة وحدها تفوق كل أعداد السنة العرب في العراق !

 

و من حق الضاري الاختلاف مع الآخرين ، لكن ليس من حقه أبدا وصفهم بالخيانة ، العمالة و التعاون أو خدمة المحتل . و ليس من حقه أيضا التعريض بما يحاول فعله رجال مخلصون أخذوا على عاتقهم المسؤولية الصعبة و ضحوا بسمعتهم أمام جهلة الأعراب و مدعي القومية كي ينقلوا البلد من نكبته التي تسبب بها أولئك القوميون العرب أنفسهم و أخرهم صدام التكريتي إلى حالة أفضل بدلا من الجلوس على مقاعد المتفرجين . و المؤسف أن هناك من يحاول وضع الكلام في فمك ثم يستنتج بصورة باطلة ما يوافق خياله . فهؤلاء كانوا يعرفون مسبقا أن صفات العمالة و الخيانة  الجاهزة عند الكتاب و ليس الكتبة ستكون من نصيبهم و بالتالي ستؤثر على سمعتهم لأننا شعوب جاهلة نخدع على الدوام بحملة الشعارات الكبيرة التي لم تغن عن جوع و لم تؤمن من خوف كما لم تجلب الخير أبدا لأي عربي .

 

طائفية و طائفيون :

 

من يضحك على من ؟ هناك فرق كبير بين الطائفية و الطائفيين . فمن يطلب الآن أن تكون نسبة تمثيل الشيعة في حكم العراق مناسبة لأعدادهم فهو طائفي بغيض ، أما من يقول أن ذلك لا يهم و لتبقى الأمور على حالتها السابقة  فهو ينتمي لطائفة معينة لكنه ليس طائفيا . و هكذا يكون وصف العراقيون لإحدى الوزارات في العهد السابق و حتى يومنا هذا ( وزارة التعليم العاني و البحث الراوي ) وصفا طائفيا أو قل عنصريا بغيضا . و قد تساءل كاتب هذا المقال عن وجود أية هيئة لا يتم تقسميها إلى شيعة و سنة و مسيحيين و أقليات في العراق ( إذا توفر سوء النية و الفضائيات ) . لكن من يريد تسخيف الآخرين يمكنه حذف ما يناسبه و انتقاء ما يريده . ليس في هذا القول أي خلط فاضح أو مساندة لمجلس الحكم الذي يؤيد الاحتلال ( كذا ) و إنما هو الحقيقة المرة التي يزعل منها مدعي الوطنية كما يزعل الأعور عندما تقول له ، و بوجهه ( يا أعور ) .

 

بعد مرور سنة على الاحتلال ، يتساءل المرء : هل تم استنفاذ الوسائل السلمية في مقاومته و حان أوان المقاومة المسلحة و الجهاد الديني . خاصة و أن العراق الآن أصبح (  مقبرة مفتوحة و مجزرة جماعية ) . و لكن ، متى بدأت المقاومة المسلحة ؟ هل انتظرت عاما كاملا أو حتى شهرا واحدا ؟ لا أحد يريد الاحتلال ، صدّق مدعو القومية ذلك أم أبوا ، لكن لماذا لم نلزم المحتل بما التزم به من البداية و صبرنا بضعة أشهر بعد أن صبرنا على العفالقة 35 عاما . من الذي أسمى تفجير أنابيب الماء و النفط و تخريب شبكة الكهرباء و قتل مهندسيها و قتل أفراد الشرطة العراقية مقاومة ينبغي مساندتها ؟  من الذي أدخل إرهابيي القاعدة  بقيادة مصعب الزرقاوي و من لف لفهم إلى العراق بحجة عدم تمكنه من السيطرة على حدوده في الوقت الذي منع عبور حتى النملة لمقاومة الذين احتلوا أرضه منذ 1967 ؟ و بالمناسبة قال حارث الضاري في البرنامج التلفزيوني الذي ذكرناه آنفا أن هذه الشخصية ( الزرقاوي ) وهمية لا وجود لها إلا في خيال من يريد الترويج لها !!

 

كفى تحذلقا و لعبا بالكلمات التي تساهم دائما و أبدا في إراقة دماء شعبنا المسكين . فلنتفق على سياسة ترضاها الأغلبية . و لنبتعد عن التفكير بأننا وحدنا الوطنيين الشرفاء و من خالفنا الرأي فهو في خانة الأعداء ، حلفاء المحتل ، القادمين معه على دباباته ، مصاصي دماء الشعب ، عملاء الصهاينة شذاذ الآفاق الخ الخ الخ .