المؤتمر التأسيسي ، مرة
أخرى
عبدالمحسن الكاظمي
تعاني الثقافة الجمعية
للشعوب العربية منذ احتلال فلسطين و بروز التيار القومي العربي مرض خطير ساهم و يساهم في هبوط هذه الشعوب
إلى الدرك الأسفل بين شعوب الأرض . ذلك المرض ، كما هو واضح لكل ذي عينين هو
التمسك بالرأي الشخصي و منح مخالفيه كافة أوصاف الخيانة ، العمالة ، التجسس ،
مساندة الاحتلال ، الخ . و قبل التحدث مرة أخرى عن المؤتمر التأسيسي الذي شكله بعض
أبناء العراق كحل لمعضلة الاحتلال ، أود ذكر بعض الأوصاف التي وُصف بها كاتب هذا
المقال كونه أبدى وجهة نظره بذلك المؤتمر :
الكاتب يخلط ، يؤيد التعاون مع
الاحتلال ، الاحتيال ، التسلل ! ، مغشوش ، نافل و
بليد ، يخلط خلطا فاضحا . و وصف كاتب هذا المقال أيضا أنه ابتعد (
نسبيا ) عن التهجمات الشخصية و التشنيعات الرخيصة التي يلجأ إليها في المعتاد (
الكتبة ) المدافعون عن الاحتلال و مجلس الحكم ، مما يعني أنه من أولئك الكتبة . و
هكذا أصبح أي إنسان لا يصفق للتيار القومي أو المؤتمر التأسيسي من ( الكتبة ) و
ليس من الكتاب .
و التاريخ يشهد الآن أن
الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن شعوبيا أرعنا . كما أن عبد الرحمن البزاز لم يكن
عميلا خائنا ، كذلك أنصف التاريخ الآن الحبيب بورقيبة الذي نعته القوميون العرب بالخيانة
و العمالة و السفالة و كل الذي في قاموسهم من الأوصاف الكريهة الجاهزة . و لو أردنا ذكر أبطال
الوطنية الحقة الذين شتمهم و سبهم
المناضلون القوميون لاحتجنا إلى مقالة كاملة قد نعنونها بصورة مؤقتة ، كما
هو دارج هذه الأيام : شتائم القوميون لمخالفيهم من الوطنيين !
الجزائر و فيتنام :
محاولة تشبيه ما يحدث في
العراق الآن بالجزائر و فيتنام خطأ كبير . لأن شعبي الجزائر و فيتنام كانت لديهما
رؤية واضحة في محاربة المحتل و مُمثلين من قبل جبهة التحرير الجزائرية بالنسبة
للجزائر و حكومة فيتنام الشمالية التي كانت تساند ثوار الجنوب ( الفيتكونغ ) . أما
بالنسبة للقضية العراقية فلا توجد الآن رؤية واضحة لمحاربة الاحتلال ( و ما خلاف
الكتاب و الكتبة إلا دليلا بسيطا على ذلك )
، كما لا توجد جهة عراقية مقبولة من جميع العراقيين كي تمثلهم أمام المحتل (
و ما تأسيس المؤتمر التأسيسي إلا دليلا هو الآخر على ذلك ) . أما الحديث عن
مفاوضات مباشرة في الخارج و مفاوضات بواسطة هيئات دولية في الداخل فهو أمر غير
معقول فالمشكلة ليست في مكان المفاوضات و لكنها تتركز في من الذي سيفاوض .
جواد الخالصي :
و بالنسبة لجواد الخالصي
الذي كثر الحديث عنه هذه الأيام فنحن أبناء الكاظمية نعرف و ندري ما نقول . و
باختصار نذكر أن جواد الخالصي يكذب عندما يصف نفسه ، أو عندما لا يكذب من يخاطبه
بأنه إمام الروضة الكاظمية لأن هذه الروضة لا إمام لها أصلا ! كان مهدي الخالصي ( أخ جواد ) يؤم المصلين من جماعة الخالصي يوم الجمعة في مسجد
الخالصي قرب ضريح الإمامين الكاظمين عليهما السلام في سبعينات القرن الماضي ، بعد
أن يلقي الخطبة متقلدا سيفا خلال ذلك . لكن أهالي الكاظمية و عموم شيعة العراق لم
يؤدوا صلاة الجمعة في كافة العهود السابقة لأن من شروط إقامتها عندهم أن يكون
إمامها مبسوط اليد ، غير مجبور على قول ما يريده الحكام منه . و لذلك ترى الآن
جميع الشيعة تؤدي هذه الصلاة بعد أن أصبحت اليد مبسوطة في ظل بريمر الذي لا يفرض
الدعاء له عقب كل صلاة ، بل يسمح بشتمه و الدعوة لحربه و مقاومته من منابر الجمعة
. و على أي حال فأن صلاة الجمعة التي تقام في الروضة الكاظمية لا يؤمها جواد
الخالصي . و الغريب القول أن العديد من وسائل الإعلام التقت جواد الخالصي في صحن
الروضة الكاظمية مما يعني أنه إمامها ! و نحن ندري كيف أصبح أمر إمامة جواد
الخالصي للروضة الكاظمية شائعا و معروفا من على شاشات الفضائيات العربية .
أما الاستيلاء على إمامة الروضة قسرا فلا يمكن حدوثه لعدم وجود هذا المركز أولا و
لطيبة أهالي الكاظمية المشهورة و التي بسببها ندعوه مخلصين للكف عن اللعب بالنار
فقد تلوثت يد الحركة الخالصية بدماء أبناء الكاظمية في ستينيات القرن الماضي ،
عندما كان يسندهم حكم البعث الأول ثم الطائفي الأشهر عبد السلام عارف . أما الحديث
عن التومانات الإيرانية فغير صحيح . فبالرغم من حصول الشيخ جواد و أخيه على
الجنسية الإيرانية بسبب أخوتهم من أبيهم الذين يحملون الجنسية الإيرانية ، القاطنين
في مدينة يزد ، إلا أنه غادر إيران مع أخيه بسبب مشاكل لا نريد الخوض بها الآن .
لكن يمكن التنبؤ بأن الشيخ قد يكون الآن من المتعاملين بالليرات السورية و مساعدات الشيخ الضاري التي يعلم الله
وحده من أين تأتي . و لا نزال عند قولنا أن جواد الخالصي سيكون كاذبا لو أدعى أن
أنصاره يتجاوز عددهم العشرات . ثم ما هي جامعة الخالصي ؟ من هم علماؤها ؟ لماذا لم
تخرج هذه الجامعة عالما واحدا يشار إليه بالبنان بدلا من الاستعانة بمهدي الخالصي
بعد وفاة والده ثم تلبيس جواد العمامة في سوريا بعد مشكلة الأخ الأكبر في إيران .
ما هي هذه الحركة على أي حال ؟ هل هي دينية ، قومية ، ديمقراطية ، سنية ، شيعية ،
ما هي هذه الحركة التي يظهر رئيسها يوميا على التلفزيون مرددا في كل مرة مقولة
لنكولن ( قد تخدع بعض الناس بعض الوقت ، لكنك لن تخدع كل الناس كل الوقت ) . و هي
تنطبق عليه تماما . و كلمة أخيرة لعلها تصل مسامع جواد الخالصي الذي لم يسأله أحد
حتى الآن عن تحصيله الدراسي أو الفقهي أو مرتبته الدينية ( حجة آية ؟ ) : لقد رأيت بأم عينيك الملايين التي
استقبلت الشهيد محمد باقر الحكيم أو التي خرجت في جنازته ، و قد وصفته في أحد البرامج
التلفزيونية العديدة بأنه لا يمثل إلا نفسه . يا ترى ، كم عدد الذين استقبلوك عند
قدومك من دمشق ، و كم عدد الذين سيشيعون جنازتك ( لا سمح الله ) بعد أن تستشهد و
أنت تقاوم المحتلين ؟
هيئة علماء السنة :
عندما نذكر الشيخ حارث الضاري
و هيئته نقول ( هيئة علماء السنة ) و هو الوصف الصحيح لهذه الهيئة التي تأسست بعد
سقوط النظام مباشرة . فقد كانت الحاجة ماسة لوجود هيئة تمثل السنة لأن الشيعة
منضوون تحت مرجعيتهم الدينية و توجد أحزاب قديمة تمثلهم ، و الأكراد منظمين و ممثلون
بحزبين رئيسيين . أما السنة فقد كان النظام البائد ، شاءوا ذلك أم أبوا ، يعتبر
ممثلهم و بالتالي أصبح لزاما تكوين حزب أو هيئة تمثلهم . و لا يغرنك اسم علماء
المسلمين ، فهذه الهيئة بدون جواد الخالصي هي هيئة سنية تمثل مصالح الماضي و
السيطرة الضائعة على مقدرات العراق لمدة تزيد عن الثمانين عاما . و من هنا جاءت
أهمية جواد الخالصي لهم و سفره مع الهيئة لمقابلة عمرو موسى الذي لا يريد إلا خير
العراق . أما الأرقام التي ذكرت عن نسب أبناء العراق حسب طوائفهم فيمكن لمن يريد أو
من لم يسمع بها مشاهدة برنامج ( بلا حدود ) الذي استضاف خلاله المصري احمد منصور
حارث الضاري الذي عارض أرقام منصور و قال أن أرقامه تزيد عنها قليلا ، علما أن
منصور ذكر نسبة سنة العراق 60% !
و من هنا نغضب . فالكذب معيب
للرجل العادي ، فما بالك بالذي يدعي أنه من رجال الدين . فأهالي مدينة الثورة ،
الكاظمية ، الحرية و الشعلة وحدها تفوق كل أعداد السنة العرب في العراق !
و من حق الضاري الاختلاف مع
الآخرين ، لكن ليس من حقه أبدا وصفهم بالخيانة ، العمالة و التعاون أو خدمة المحتل
. و ليس من حقه أيضا التعريض بما يحاول فعله رجال مخلصون أخذوا على عاتقهم
المسؤولية الصعبة و ضحوا بسمعتهم أمام جهلة الأعراب و مدعي القومية كي ينقلوا البلد
من نكبته التي تسبب بها أولئك القوميون العرب أنفسهم و أخرهم صدام التكريتي إلى
حالة أفضل بدلا من الجلوس على مقاعد المتفرجين . و المؤسف أن هناك من يحاول وضع
الكلام في فمك ثم يستنتج بصورة باطلة ما يوافق خياله . فهؤلاء كانوا يعرفون مسبقا
أن صفات العمالة و الخيانة الجاهزة
عند الكتاب و ليس الكتبة ستكون من نصيبهم و بالتالي ستؤثر على سمعتهم لأننا شعوب
جاهلة نخدع على الدوام بحملة الشعارات الكبيرة التي لم تغن عن جوع و لم تؤمن من
خوف كما لم تجلب الخير أبدا لأي عربي .
طائفية و طائفيون :
من يضحك على من ؟ هناك فرق
كبير بين الطائفية و الطائفيين . فمن يطلب الآن أن تكون نسبة تمثيل الشيعة في حكم
العراق مناسبة لأعدادهم فهو طائفي بغيض ، أما من يقول أن ذلك لا يهم و لتبقى
الأمور على حالتها السابقة فهو
ينتمي لطائفة معينة لكنه ليس طائفيا . و هكذا يكون وصف العراقيون لإحدى الوزارات
في العهد السابق و حتى يومنا هذا ( وزارة التعليم العاني و البحث الراوي ) وصفا
طائفيا أو قل عنصريا بغيضا . و قد تساءل كاتب هذا المقال عن وجود أية هيئة لا يتم
تقسميها إلى شيعة و سنة و مسيحيين و أقليات في العراق ( إذا توفر سوء النية
و الفضائيات ) . لكن من يريد تسخيف الآخرين يمكنه حذف ما يناسبه و انتقاء
ما يريده . ليس في هذا القول أي خلط فاضح أو مساندة لمجلس الحكم الذي يؤيد الاحتلال
( كذا ) و إنما هو الحقيقة المرة التي يزعل منها مدعي الوطنية كما يزعل الأعور
عندما تقول له ، و بوجهه ( يا أعور ) .
بعد مرور سنة على الاحتلال
، يتساءل المرء : هل تم استنفاذ الوسائل السلمية في مقاومته و حان أوان المقاومة
المسلحة و الجهاد الديني . خاصة و أن العراق الآن أصبح ( مقبرة مفتوحة و مجزرة جماعية ) . و لكن ،
متى بدأت المقاومة المسلحة ؟ هل انتظرت عاما كاملا أو حتى شهرا واحدا ؟ لا أحد
يريد الاحتلال ، صدّق مدعو القومية ذلك أم أبوا ، لكن لماذا لم نلزم المحتل بما
التزم به من البداية و صبرنا بضعة أشهر بعد أن صبرنا على العفالقة 35 عاما . من
الذي أسمى تفجير أنابيب الماء و النفط و تخريب شبكة الكهرباء و قتل مهندسيها و قتل
أفراد الشرطة العراقية مقاومة ينبغي مساندتها ؟ من الذي أدخل إرهابيي القاعدة بقيادة مصعب الزرقاوي و من لف لفهم إلى العراق بحجة عدم تمكنه
من السيطرة على حدوده في الوقت الذي منع عبور حتى النملة لمقاومة الذين احتلوا
أرضه منذ 1967 ؟ و بالمناسبة قال حارث الضاري في البرنامج التلفزيوني الذي ذكرناه
آنفا أن هذه الشخصية ( الزرقاوي ) وهمية لا وجود لها إلا في خيال من يريد الترويج
لها !!
كفى تحذلقا و لعبا
بالكلمات التي تساهم دائما و أبدا في إراقة دماء شعبنا المسكين . فلنتفق على سياسة
ترضاها الأغلبية . و لنبتعد عن التفكير بأننا وحدنا الوطنيين الشرفاء و من خالفنا
الرأي فهو في خانة الأعداء ، حلفاء المحتل ، القادمين معه على دباباته ، مصاصي
دماء الشعب ، عملاء الصهاينة شذاذ الآفاق الخ الخ الخ .