أبو
غريب، دروس في الديمقراطية ( 2 - 2 )
حمزة الجواهري
2004-05-09
القصة يعرفها الجميع فلست بحاجة لذكر
تفاصيلها، سبعة من المعتقلين جميعهم من البعثيين الذين تم إعتقالهم من قبل قوات
التحالف أثناء قيامهم بأعمل تخريب أو القيام بهجوم مسلح على قوات التحالف، وقد تم
تعذيبهم قبل إستجوابهم، وهذا أمر مشين ولا يمكن أن يقبل به إنسان سوي. قامت الدنيا
ولم تقعد بسبب هؤلاء السبعة، في حين أن جميع أجهزة الإعلام التي أحدثت كل هذا
الضجيج كانت موجودة وتعمل أيام النظام المقبور، نظام المقابر الجماعية، فلم تنبس
ببنت شفة في حين كان ضحايا النظام يعدون بالملايين. مفارقة تبدوا للوهلة الأولى
نوعا من قلة الكفاءة بالنسبة لهذه الأجهزة، ولكن بالنظر للفارق بالأرقام، سبعة
مقابل ملايين لابد أنها تعني الكثير، الحقيقة أن السبب تكمن وراءه عدة عوامل،
فالنظام البعثي كان يرشي من أجل التكتم على جرائمه، والكثير من الجهات لها مصلحة في
الوقت الحالي بالوقوف ضد المشاريع الأمريكية، أما السبب الثالث فأن الأمر جاء
كنتيجة لأعتراف جنود أمريكيين وبريطانيين
ونشرهم للصور والأفلام. السبب الثالث هو ما نرمي إليه في هذا المقال لنناقشه
بشكل أوسع.
لم يستطع الجنود الذين شاهدوا تلك الممارسات
اللا إنسانية أن يكتموا مثل هذا الأمر الخطير، ذلك لأن القيم الديمقراطية في
بلدانهم والتي تربوا عليها تأبى مثل هذا النوع من التكتم، فربما سيكون أيا منهم
يوما ما عرضة لمثل هذه الممارسات اللا إنسانية، وبالرغم من أنهم جنود إحتلال وأن
الممارسات كانت تجري ضد مجرمين أوغلوا بجرائمهم ضد أبناء جلدتهم من العراقيين،
فبالرغم من هذا وذاك، كان جندي الإحتلال يأبى أن يسكت على مثل هذه الممارسات،
فصورها آلاف الصور، وحمل حقائبه عائدا لبلده بإجازة. لم يكن ذلك الجندي يفكر بكل
هذا، فهو يفكر فقط بإحدى ثوابته التي لا يستطيع التنازل عنها لأنه قد تربى عليها،
صحيح إنه لم يستطع أن يمنع تلك الممارسات وقت وقوعها خشية أن يناله شيئا من العقاب،
وصحيح أن من مارسها هو إبن بلده الذي تربى على ذات القيم، ولكن قد إعتبره مجرما كأي
مجرم في بلده، وما اكثرهم، فما كان يجب أن يسكت على ذلك. الأمر لم يقف عند الجندي
وذويه وباقي الجنود الذين يحملون ذات البضاعة في حقائبهم العائدة من العراق،
فالنظام الديمقراطي برمته له دور بتداعيات المسألة وبلوغها هذا الحد. فما هي أسرار
هذا النظام الذي يعتقد البعض إنه لا يصلح لبلداننا، بل إنه الشر الذي ما بعده شر.
فالزرقاوي يقول في وثيقته المشهورة، إن الديمقراطية قادمة لا محال، فأين المفر؟ نعم
فهؤلاء لا يمكن أن يقبلوا بنظام ديمقراطي، ذلك أن القتل شريعتهم، كما الحيوان في
الغابة، يقتل ليعيش.
تلقفت الصحف ومحطات التلفزة والإذاعات تلك
الصور والأفلام القادمة مع جنود الاحتلال من البلد المحتل، وأصبح لديها الدليل
المادي، فجهزت نفسها لبث تلك الصور المرعبة ولم ينسوا أن يحذروا من أن فيها مشاهد
لا ينبغي للأطفال مشاهدتها ويجب إبعادهم عن اجهزة التلفزة وقت عرضها. هذه الدول لها
أيضا أجهزة مخابرات بداخل بلدانها تابعة للسلطة، فنقلت الخبر لوزارة الدفاع قبل أن
يتم عرض الأفلام، ولم تستطع أن تفعل أكثر من ذلك كما هو الحال في بلداننا
الدكتاتورية. كل ما إستطاع وزير الدفاع الأمريكي أن يفعله هو تأخير نشر تلك الصور
خشية أن تؤثر على سلامة جنوده وهم في مهمة خطيرة في العراق. تأخير النشر وليس منعه
بالكامل، وذلك بعذر يعتبر مسؤولية وطنية للجميع هو حماية الجنود وعدم تعريضهم لمزيد
من الأخطار، فلو لم يكن الإعلام حرا ومحتكرا من قبل الدولة، هل كان الوزير بحاجة أن
يؤجل النشر؟ بالتأكيد لا، وليس هذا وحسب، بل لوجد الصحفي الذي يحمل بحقيبته تلك
الصور والأفلام نفسه في عالم آخر غير عالمنا، فإستقلالية الإعلام عن الدولة
الديمقراطية هو ما يميز إعلام الأنظمة الديمقراطية عن إعلام الدولة الدكتاتورية
الطابع.
إستقلال الأجهزة الإعلامية بظل رقابة من
المجتمع المدني ووفق قوانين تنظم عمل وسائل الإعلام وقضاء مستقل يحتكم إليه في
قضايا الإعلام وتجاوزات الإعلام على المجتمع، هذا هو الإعلام المستقل عن السلطة
للدولة الديمقراطية. فلا يمكن ان نتصور اليوم أن الإعلام العربي يستطيع أن يفضح
قضية مهما كان نوعها في الوقت الحالي، حتى ولو كان مستقلا عن السلطة، فهناك الكثير
من الوسائل التي تمتلكها سلطات هذه الدول للحد من إستقلالية الإعلام وتكتم صوته كما
كممت أفواه البشر، فالجهاز الإعلامي المستقل عن السلطة، رئيسه والعاملين به مازالوا
يعيشون بظل نظام يستطيع أن يفعل له ما يشاء فيما لو تجاوز الجهاز الإعلامي الخطوط
الحمراء المرسومة له. لهذه العملية مجموعة قوانين تنظمها ويضمن حقوقها وحقوق
أصحابها الدستور الذي يضمن أيضا سلامة تطبيق القوانين التي تحميها وتحاسبها في آن
واحد، وتحاسب من يحاول أن يعيق عملها من أجل ما يسمى بالشفافية التي تجعل من كل شيء
واضح ويجعل من الممارسات علنية ولا
تمارس في الخفاء وهي تنخر بالمجتمع وتسيء لأفراده.
البرلمان الذي صدم من هذه الممارسات لم يقف
مكتوف الأيدي، من ناحية ليدافع عن قيم المجتمع الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن
ناحية أخرى ليضرب ضربته السياسية الموجعة قبل الإنتخابات من أجل كسب المزيد من
الأصوات لمرشحي المنافس على كرسي الرئاسة. الموقف لا يخلو من برغماتية ولكن تحت
عنوان حقوق الإنسان وقيم المجتمع الديمقراطي المتحضر، وفي واقع الأمر السببين معا.
لو لم يكن النظام ديمقراطيا وإن الكونجرس (البرلمان) مستقل عن السلطة، بل له هو
الحق بمحاسبة حتى الرئيس والسلطة التنفيذية في البلد، لو لم يكن كذلك، لما إستطاع
أن يفعل ما فعل. ومازال الحدث يتفاعل ويغلي بعد أن أصبح شأنا شعبيا وللجميع الحق
بمناقشته وإبداء الرأي به وإتخاذ موقف منه. ما كان ليحدث شيئا من هذا القبيل لو لم
يكن النظام ديمقراطيا وفيه البرلمان مستقل بقراره عن السلطة التنفيذية، وذلك وفق
ضوابط حددها الدستور والقوانين في البلد.
لو لم يكن الدستور والقوانين يحترمها الجميع
ومستقلة عن عبث السلطة التنفيذية أو الأهواء الشخصية للقادة لتم تغيرها بين يوم
وليلة وبجرة قلم واحدة، كما يحدث في بلداننا. فمن أجل أن يكون إبن الرئيس صالحا
لخلافة أبيه في الرئاسة، يجب أن يعدل الدستور، فيعدل. ولكي يصادق عليه البرلمان
ليصبح شرعيا، فأعضاء البرلمان ليس أمامهم سوى خيار واحد وهو الموافقة على التعديل
ومن لم يفعل ذلك فربما سيكون مكانه وراء الشمس. وهكذا تبدل الدساتير والقوانين في
بلداننا، بين ليلة وضحاها والشعب في كثير من الأحيان لا يدري، وحتى لو كان يدري،
فما الذي يستطيع أن يفعله، فالجيش في إمرة السلطة المركزية الدكتاتورية وتستطيع أن
تضرب به أي تمرد أو تخرس أي صوت عالي. وفي اليوم التالي يخرج الناس في مظاهرات
مؤيدة لذلك التغيير، ومن لا يخرج فمصيره معروف، ولا يستطيع أحد أن يسأل عنه، ولو
فعلها أحدهم وسأل، فإنه سيلقى نفس االمصير. لاحظ عزيزي القارئ إن الأمر لا نهايه له
من الأمتهان والإستهانة بالمقدرات في ضل أنظمة من هذا
النوع.
البرلمان المنتخب لأعضاءه حصانة برلمانية
تحميه من عبث السلطة، والتي هي بدورها لا تتجاوز على حرية أعضاء البرلمان لأن
أفرادها يمكن أن يكونوا في الغد معارضة ويحتاجون لهذه الحماية، فليس القانون فقط ما
ينظم إستقلالية البرلمان وقراراته، وإنما يكون ذلك جزءا من المنظومة القيمية
للمجتمع. الأحزاب في هذا المجتمع تعرف ما الذي تفعله وفق برامج ونظم داخلية وقوانين
تحكم سلوكها ونشاطها وكلها تدافع عن قيم الديمقراطية وتقف بوجه من يحاول أن يعبث
بالقوانين والدستور أو يتجاوز حقوق الفرد أو الجماعة.
للمجتمع الديمقراطي منظومة قيمية واضحة
المعالم، ولكي تتشكل المنظومة القيمية لدى الفرد والمجتمع فإن المسألة تبدأ من
البيت والتربية البيتية ومن ثم المدرسة وذلك من خلال إصلاح مناهجها بما يشيع الروح
الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان، وهذا مرتبط أيظا بالقوانين والدستور في البلد
وأن تصاغ بما يضمن للفرد حريته الشخصية ضمن إطار إحترام حرية الآخرين وعدم الإساءة
للمجتمع أو أي فرد فيه، وأي إنسان على كوكبنا الأرضي. المسألة لا تقف عند هذا الحد،
فمؤسسات المجتمع المدني عليها أن تضع ضمن برامجها وفعالياتها الإجتماعية وأنظمتها
الداخلية ما لا يتعارض وحقوق الإنسان وإحترام الفرد والجماعة لحقوق الآخرين
والمجتمع، وللمؤسسة الدينية دور فاعل في هذا المجال، فروح التسامح ومراعات حقوق
الآخرين يجب أن تأخذ حيزا كبيرا لها في برامج التعليم الديني في كل مكان، سواءا في
البيت أوالمدرسة أوالجامع، وفي الكتاب الديني والخطبة الدينية ووسائل الإعلام
وأجهزتها المختلفة. فالكل له دور في هذه العملية المعقدة والطويلة والشاقة، وذلك
للوصول بالمجتمع إلى مجتمع يتمتع بمنظومة قيمية متكاملة ومترابطة والكل له دور بها
ويعمل عليها. فلو لم يكن ذلك الجندي قد جاء من مجتمع يمتلك منظومة قيمية متكاملة
كان قد تربى عليها منذ الصغر، لما إستنكر هذا العمل المشين ولما قرر أن يفضحه بكل
ما إستطاع من قوة، وذلك بالرغم من أنه جندي إحتلال والسجين من مجرمي النظام الذي
قاتل هو ذات نفسه من أجل إسقاطه.
البرلمان المنتخب لأعضاءه حصانة برلمانية
تحميهم من عبث السلطة، والتي هي بدورها لا تتجاوز على حرية أعضاء البرلمان لأن
أفرادها يمكن أن يكونوا في الغد معارضة ويحتاجون لهذه الحماية، فليس القانون فقط ما
ينظم إستقلالية البرلمان وقراراته، وإنما يكون ذلك جزءا من المنظومة القيمية
للمجتمع. الأحزاب في هذا المجتمع تعرف ما الذي تفعله وفق برامج ونظم داخلية وقوانين
تحكم سلوكها ونشاطها وكلها تدافع عن قيم الديمقراطية وتقف بوجه من يحاول أن يعبث
بالقوانين والدستور أو يتجاوز حقوق الفرد أو الجماعة.
هكذا يمكننا أن نضع تعريف للنظام
الديمقراطي، بسيط جدا، فهو مجموع مؤسسات المجتمع المدني ومجموع القيم والممارسات
الديمقراطية في نظام واحد متكامل متصالح مع نفسه ويحترم تلك المؤسسات والقيم من
خلال إحترامه لإنسانيته، فلو أساء الفرد لقيمة منها سيكون يوما ما هو الضحية، لذا
فهو يحترمها.
مؤسسات المجتمع المدني هي كل الأحزاب
والنقابات والمنظمات بمختلف أنشطتها السياسية أو الإجتماعية أو الفنية أو المهنية
أو الإنسانية والبرلمان المنتخب بشكل حر وقضاء مستقل ودستور ومنظومة قوانين تنظم كل
نواحي الحياة، كل هذه المؤسسات مستقلة إستقلالا تاما عن السلطة في البلد. ولو كانت
هذه المؤسسات، أي مؤسسات المجتمع المدني غير مستقلة، وللدولة اليد العليا عليها،
فالنظام يسمى نظاما دكتاتوريا. بالرغم من أن الفرق يبدوا بسيطا، ولكن الفرق بين
النظامين كبير جدا، بل وعلى طرفي نقيض تماما، فالأول ديمقراطي والثاني دكتاتوري.
لكي تكون الأنظمة العربية أو الإسلامية التي
نعرفها أنظمة ديمقراطية؟ ببساطة شديدة، يجب عليها أن ترفع الوصاية من قبل السلطة عن
كل هذه المؤسسات التي تسمى المجتمع المدني والإكتفاء بدعمها فقط حتى وإن كانت تعارض
السلطة، ويعدل االدستور وتعدل القوانين وتشرع أخرى من أجل تكاملية النظام، وهذا أول
أشكال الإصلاح المطلوبة في بلداننا لكي تتحول إلى أنظمة ديمقراطية، بعدها يأتي دور
منظمات المحتمع المدني لتأخذ دورها بالعمل الحر لتكتمل الصورة، وهذا ما لا تستطيع
الأنظمة العربية الإقدام عيه، فلو فعلت، فإنها كمن يريد الإنتحار.
تكاملية النظام سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا
في منظومة واحدة مترابطة تحكمها القوانين ولا دخل للسلطة في أدائها لوظائفها، تتشكل
عبر عملية ليست سهلة ولا بزمن قصير، ولكن يجب أن تكون الخطوات ثابتة ومتزنة وبحاجة
لمعرفة وصبر جميل.
يا ألله !!!!! ما أطول الطريق
!!!!!!!