جريدة القاسم المشترك

احد شهود قطار الموت (الملازم مهدي مطلك) يروي للقاسم المشترك تفاصيل ذلك النهار الدامي


توفيق التميمي
* قطار الموت هو احد الابتكارات التي تفتقت عنها عبقرية سلطة البعث
* كان في الانتظار في محطة القطار رئيس الدولة ورئيس الوزراء مسؤولو الحرس اللاقومي.
* لعب الدكتور “رافد صبحي اديب” دورا نبيلا في ابقائنا على قيد الحياة
* التقيت بسائق القطار “عبد عباس المفرجي” في نهاية السبعينيات وقدمت له امتناني لانقاذه ارواحنا

الان وقد سقطت اخر القلاع المشبوهة التي اسامت شعبنا ذل العبودية والقهر وادخلته في نفق مرعب وابادات متواصلة وانهر من الدماء .
كما سقطت معها كل ما كتبت من اباطيل وتزييف ومغالطات وقلب الحقائق .. واهمها “انقلاب 8 شباط الاسود” التي سمته في ادبها الدعائي المزور “عروس الثورات” تلك العروس الشمطاء التي سفكت من دماء الاحرار العراقيين انهارا خلال الايام الاولى من “دخلتها” ولم يشهد العراق ايام هذه “العروس” سوى ليالي الانتهاكات لعناصر “الحرس اللاقومي” تتر العصر الجديد .
و”قطار الموت” هو احد الابتكارات التي تفتقت عنها عبقرية البعث في فنون الموت وصهر الاجساد البشرية. وثيقة دامغة على جرائم “البعث” التي ستتطور وسائلها التدميرية مع تقدم الزمن وتصاعد شهوة الدم والسلطة لفرسان اللاقومية الذين سيأكلون بعضهم البعض حتى البقاء للقائد الضرورة الاوحد الذي حول لعبة “قطار الموت” بعبقريته السياسية الفذة وسلوكيته..” الى صهاريج ستشوي اجساد العراقيين الفارين من جحيمه وحاويات لسفن مهاجرة ستلقي بهم الى حيتان البحر.
وعلى عتبات هذه المناسبة الاليمة السوداء كان لنا هذا اللقاء باحد “ركاب” قطار الموت وهو الملازم (مهدي مطلك) الوارد اسمه في القائمة التي ذكرها الباحث الدكتور علي كريم سعيد في كتابه المهم “العراق البيرية المسلحة”
نستنطق ذاكرته لتلك الليلة المرعبة التي لن ينساها مادام على قيد الحياة الان في مقهى “الشابندر” ونحن نبتعد عن تلك اللحظة باربعة عقود تقريبا والمكان يضج بمتعة اللقاء الاسبوعي لمثقفي العراق وادبائه وشخصياته الوطنية وعلى مصطبة منزوية “اعتاد الملازم مهدي مطلك” ان يدفن فيها نارجيلته ويستحضر احيانا جزء من تلك الذاكرة فيقول:
“ليلة سوداء .. وايام ظلام تلتها لها طعم الدم المسفوك في الشوارع وفي غرف التحقيق الذي تجريه لجان التحقيق في الحرس القومي الغلاظ .. انقلاب اسود “جاء على عربات امريكية” ليطوي صفحة مشرقة من صفحات الوطنية العراقية وتغتال زعيمها الوطني وتستبيح بغداد والمدن العراقية لتتر الحرس اللاقومي لعدة ايام وليال لم يشبعوا فيها من الدماء والسحل والاغتصاب.
اليوم هو 3 / 7 / 1963 والوقت الساعة الاولى من الفجر والمكان سجن رقم (1) في معسكر الرشيد. الصباح تنتهكه لعله الرصاص وحركة الجنود والحرس ووجوم يسيطر على معتقلين في السجن بعد ان علموا بالانباء السيئة بفشل الحركة الوطنية البطولية التي قام بها العريف “حسن سريع” والتي علمنا بها من خلال التنسيق مع بعض المعتقلين عن طريق نقل الرسائل والاخبار من خلال المواجهات كنا نرقب من خلال النوافذ الضيقة ما يجري خارج الزنازين الضيقة تلك الزنازين التي لاتسع لـ 3 ـ 4 اشخاص حشرنا فيها اكثر من 60 شخصا .
بدأ الموقف ينجلي شيئا فشيئا .. وبدأ الحرس والحماية تسيطر على الموقف .. وفشل الانتفاضة الشعبية صار واضحا ..
* كيف قضيتم تلك الليلة وما هي توقعاتكم للمصائر التي تنتظركم ؟
ـ كنا مستعدين لحكم الاعدام الذي سينفذ بنا رميا بالرصاص لان اغلبنا من العسكريين ولم نكن نعلم بان مصائرنا كانت موضوع خلاف حاد ونقاش محموم بين اليمين العسكري المتمثل باحمد حسن البكر، ورشيد مصلح التكريتي، وحردان عبد الغفار واخرين، عرفنا ذلك بعد سنوات من خلال قراءتي لكتاب “اوكار الهزيمة” لهاني الفكيكي ومذكرات طالب شبيب.
*من كان معكم من السجناء المدنيين؟
ـ اتذكر كان معي د . مكرم الطالباني ، نعيم بدوي واخرون لم اعد اتذكرهم الان وواصل “الملازم مهدي مطلك” مذكراته0
مضت ليلة شاقة علينا كنا فيها مستعدين لكل الاحتمالات بعد ان تأكدت لدينا انباء فشل انتفاضة حسن سريع واعتقال اغلب ثوارها الاحرار من الجنود وضباط الصف فتحت الزنازين، ودبت حركة مرعبة في الممرات التي تفصل الزنازين بعضها عن البعض، كبلت ايادينا من الخلف، ثم بدأ نقلنا بسيارة مضللة ، وبعد ذلك وصلنا الى المحطة العالمية ووجدنا هناك بعض المسؤولين في الدولة والحرس القومي ومنهم، احمد حسن البكر ، عبد السلام محمد عارف ، طاهر يحيى .
انتظرنا في محطة الانتظار ما يقرب الليل بطوله تحت حراسة حراب الحرس اللاقومي وعندما حانت لحظة صعودنا الى القطار دفعونا دفعا الى داخل عربات الحمل ونحن في حالة يرثى لها من الجوع والعطش والقلق، ثم بدأوا باغلاق (الفاركونات) الا من فتحات صغيرة كانت تتسلل منها خيوط واهنة من اشعة الشمس التي اخذت تشتد مع تقدم الزمن البطئ لتتحول الى جحيم ،حتى بدأت انفاسنا تضيق وتصاب بحالات من الاغماء والغيبوبة واتذكر ان اول من اصيب بالاغماء في العربة التي كنت فيها هو رفيقي “جميل دنو” وهو احد محامي محكمة الشعب .
*متى علمتم بان سائق القطار “عبد عباس المفرجي” قد علم بامركم وعزم على انقاذكم مهما كان الثمن ؟
ـ لم اكن اعلم بذلك .. لان في اللحظة التي علم السائق بوجود حمولة بشرية على عرباته زاد من سرعة القطار بالرغم من احتجاجات عناصر الحرس القومي الواقفين على ابواب (الفاركونات) المغلقة، كنت في تلك اللحظة في غيبوبة لم افق منها الا على جسر السويب قبل الوصول الى السماوة بقليل .
*ماذا حصل عند وصولكم الى محطة السماوة ؟
ـ وصل القطار قبل موعده المحدد بساعات وكان هذا بفضل الشهامة الوطنية لسائق القطار كما فوجئنا باستقبال اعداد غفيرة من المواطنين واهالي مدينة السماوة الذيي علموا بامر وصولنا فكانوا ينتظروننا وهم يحملون دلاء الماء موضوعة بداخلها قطع الثلج ، وهذه كانت وصية من قبل الدكتور العميد “الطبيب رافد صبحي اديب” الذي لعب دورا نبيلا في ابقائنا احياء في تلك اللحظة حيث كان يومئ بيديه للاهالي ويحذرهم بان لايسقونا ماءا فاستجاب المواطنون لاوامره وجلبوا بدلا من ذلك كميات من الملح اعطيت لنا لتعويض السوائل التي فقدناها حتى استعدنا وعينا وعلمنا ان هناك ثلاثة استشهدوا في القطار كما علمنا ايضا بخبر استشهاد “الرائد يحيى نادر” في المستشفى .
*ما الذي بقى في ذاكرتك من تلك اللحظات ؟
ـ لم انس كل تفاصيلها .. غير ان ثمة حادثة بطولية قام بها “الشهيد الملازم قيس محمد صالح” عندما اقدم على صفع معاون الشرطة الذي حاول منع النساء وطردهن، وادى ذلك الى هزيمة الشرطة الموجودين في المحطة ، ثم جاءت بعد ذلك مفارز الحرس القومي واحاطت بنا ريثما تأتي الباصات لنقلنا الى “نكرة السلمان” علما ان الشهيد الملازم قيس محمد صالح ـ استشهد في السبعينيات وهو يقاتل الاسرائيليين مع الجبهة الديمقراطية الشعبية .
*هل قدمتم الشكر للسائق الذي انقذ حياتكم ؟
ـ لم تتح لنا الفرصة للقاءالسائق الذي ذهب فورا الى غرفة ناظر المحطة منتظرا مصيره بالطرد او الاعدام ، ولكن شاءت الظروف ان يبقى على قيد الحياة ليروي لاحفاده قصة بطولته وشهامته وهي مفخرة عراقية لابد من توثيقها .
وكان من روائع الصدف ان التقي به في بغداد في نهاية السبعينيات واقدم له شكري وامتناني وامتنان اسرتي له لانقاذه حياتي وحياة العشرات من الضباط والمدنيين الذين كانوا معنا في القطار .
وشرح لي بالتفصيل عملية انقاذنا وعلمه بوجودنا من خلال احد الاشخاص في محطة الهاشمية وقمت بعد ذلك بزيادة السرعة بخلاف التعليمات الصادرة لي من قبل مسؤولي الحرس اللاقومي وصراخ الجنود الذين كانوا في حماية القطار فكانت ارواح هؤلاء الوطنيين في تلك اللحظة والحفاظ عليها هي قضية حياة او موت بالنسبة لي .
*كلمة تود قولها بهذه المناسبة ؟
ـ احيي نضال شعبنا بكل قواه وفصائله الوطنية والتي قدم فيها صورا فريدة من البطولة والصمود ولم يكن “قطار الموت” الا احد الصفحات المشرقة لهذا الشعب الذي قارع اعتى صنوف الدكتاتورية في العالم .. كما احمد الله الذي امد بعمري لارى نهاية هؤلاء الجلادين وهم يجرعون كأس المذلة والمهانة في جحورهم المظلمة .. التي وضعوا فيها شعب باكمله من قبل .
كما اتمنى ان يعيد الشعب العراقي بناء نفسه وترتيب اوراقه التي بعثرتها سنوات الطغيان .. وينسى الام وجراحات تلك التجربة الاليمةلبناء مستقبل مشرق طالما كنا نحلم به لوطننا حتى في احلام يقظتنا في تلك الزنازين المظلمة والعربات القاتلة .