الشرق الأوسط

الفساد المالي والإداري يضرب بجذوره عميقا في أجهزة الدولة العراقية


موظفو وزارة التجارة اشتروا في عهد صدام أبوابا يزيد سعرها عن 220 في المائة عن سعرها الحقيقي وواصلوا الصفقة في العهد الجديد

بغداد: نيكولاس ريكاردي*
كان وزير التجارة العراقي قد امضى ثلاثة اشهر في منصبه عندما اكتشف فضيحة الأبواب. فقد تلقى الوزير علي عبد الأمير علاوي شكوى رفعت اليه بأن الوزارة تعاقدت على شراء ابواب خشبية بقيمة 100 مليون دولار من خلال عشر شركات، وان اسعار الابواب أعلى من السعر الحقيقي بنسبة 220 في المائة مما يعود بأرباح خيالية على كل المشاركين في الصفقة. وقد مارس البيروقراطيون الذين بقوا بعد سقوط صدام حسين، نفوذهم لتنفيذ الصفقة على حساب الأولويات الأخرى الضاغطة مثل شحنات الطعام والأدوية، وجنوا من وراء ذلك ملايين الدولارات كرشاوى. وعلى اثر ذلك اوقف اثنان من كبار الموظفين واحيلت القضية الى النيابة. وقد بلغت تكلفة الصفقة حتى الآن 40 مليون دولار. وقال علاوي: «هذه ليست سوى قمة الكتلة الجليدية».
وفي الوقت الذي يجوس فيه العراقيون ومحتلوهم خلال المقابر الجماعية ويناضلون ضد الهجمات الارهابية، فإنهم يصطدمون في نفس الوقت بإرث ثقيل خلفه عهد صدام يتمثل في آلة حكومية هائلة يخترق الفساد كل مسامها. ومع ان دافع الضرائب الأميركي يصب مليارات الدولارات في اقتصاد العراق، فان العراقيين ما يزالون بشعرون بأن الأميركيين لا يبذلون جهودا كافية لمواجهة الفساد. وهذا يجعل مواجهة الفساد والنهب واستغلال النفوذ من اكثر القضايا الحاحا امام الادارة العراقية الحالية. وقد اعلن رئيس مجلس الحكم العراقي للشهر الماضي، عدنان الباجه جي أول من امس عن تشكيل لجنة وطنية لمواجهة قضايا الفساد واستغلال النفوذ. وستكون لهذه اللجنة، مثلها مثل عشرات غيرها شكلها مجلس الحكم، صلاحيات خاصة وكيان مستقل.
كانت اجور الموظفين تحت نظام صدام متدنية جدا مما كان يدفعهم الى طلب الرشاوى من الجمهور حتى يعيلوا أسرهم. ونظرا لأن النظام كان يسيطر على كل مناحي حياة الأفراد، فإن الرشوة تخللت كل مسام المجتمع. وكان الشخص يحتاج الى الرشوة والواسطة للحصول على جواز سفر لأداء فريضة الحج، او للمرور من نقطة تفتيش او بناء منزل او ترك الخدمة العسكرية. وقد تورط كبار موظفي حكومة صدام في نهب المال العام حتى ان شعراء صدام الشخصيين اعتقلوا مؤخرا بواسطة البوليس الدولي (الانتربول) لارتكابهم جرائم مالية.
وليست ثمة أية دلائل على ان الفساد في طريقه للاختفاء او التناقص. وتقول الشرطة العراقية ان مدير السجون العراقية اعتقل اخيرا لشروعه في تكوين شبكة من المتعاونين يمكن ان تحصل على رشاوى مقابل اطلاق سراح بعض السجناء. كما اعتقل محافظ النجف الذي عينه الأميركيون بتهم الخطف والسرقة. ويحقق «البنتاغون» في اعطاء صفقة التليفونات الجوالة العراقية لشركات ذات علاقة بأحد الموالين لصدام ولأحد أصدقاء عضو في مجلس الحكم العراقي. يضاف الى ذلك ان كثيرا من مشاريع إعادة البناء وزعت بسرعة دون عمليات الفحص الضرورية في مثل هذه الحالات، مما أثار الشبهات بأن معاوني صدام يغتنون بغير وجه حق من مساعدات الولايات المتحدة.
انتشار الفساد يثير السخط على ما يسميه العراقيون جهل الأميركيين بالبلاد وفشلهم بالتالي في السيطرة على الامور. وقال جبار حبيب، استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد: «يشعر الناس بأن الاوضاع لم تتغير». ويقول مخاطبا الأميركيين «تصدوا للفساد، لأنه واحد من الاسباب الرئيسية للقلق السائد حاليا».
ومن الواضح ان المسؤولين على كل المستويات يتحركون حاليا لمواجهة هذه القضية، وتتعاون سلطة الاحتلال مع مجلس الحكم العراقي لتكوين لجنة حكومية تواجه الفساد. ولكن المسؤولين في كلتا الهيئتين لا يعرفون على وجه التحديد ما يمكن ان تقوم به هذه اللجنة. ويقول الخبراء ان تطهير المجتمع العراقي من ثقافة الفساد يحتاج الى سنوات عديدة. وقد حكى جبار حبيب، ما جرى له مع شرطي كان يتقاضى الفتات في عهد صدام، ولكنه ورغم تحسن راتبه الشهري الآن، ما يزال يتقاضى الرشاوى من الناس مقابل السماح لهم بالاحتفاظ بأسلحتهم. فقد سأله حبيب «لماذا تفعل ذلك»؟ فقال له الشرطي «تعودت ان افعل ذلك ولا استطيع التوقف الآن».
وفي مدينة الموصل عين جنرال سابق بالجيش، طرده صدام حسين عام 1991، هو وليد كشمولة، رئيسا لأول لجنة لمحاربة الفساد في مدينة الموصل الشمالية، ولكن عندما بدأت لجنته في العمل هطلت امطار يناير (كانون الثاني) ودمرت سقف المبنى الذي تعمل منه اللجنة، فانتقل الى مبنى حكومي آخر شيده المقاولون المتهمون بالفساد انفسهم. ويبدو ان تهم الفساد تنتشر في جميع المؤسسات بحيث لا يعرف المرء ايها الكاذب وايها الصحيح. وهذا ما وضع حدا لجهود المحامي الأميركي ويتكر الذي بدأ حملة محاربة الفساد وقال انه وصل الى نقطة صار لا يعرف فيها من المرتشي ومن البريء.
وقال كشمولة رئيس لجنة محاربة الفساد: «نحن نتعامل مع شياطين. نحن لا نرى الله، ولكننا نعرف انه موجود. ونحن نرى هذا الشخص ونعرف انه يشبه الشيطان ولكننا لا نملك الدليل». ويقوم مكتب المباحث الفيدرالي الأميركي (إف.بي.آي) بتدريب وحدة كشمولة على الاساليب الاولية في جمع الأدلة، مثل التسجيلات السرية واساليب التحقيق. ويقول ويتكر: «التحقيق علم لا وجود له هنا. فقد كانوا يلقون القبض على المتهمين ويعذبونهم ويلقون بهم في السجون».

* خدمة «لوس انجليس تايمز» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»