موسوعة النهرين

نصرالله يقوم بدور عمرو بن العاص


د. عبدالخالق حسين
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

كنا ومازلنا نحمل كل الإحترام لرجل الدين طالما بقي متمسكاً بتعاليم الدين وواجباته الإخلاقية والروحية في توجيه الناس وفق التعاليم الخيرة. أما إذا اختار رجل الدين أن يزج بنفسه في السياسة، فعليه أن يتوقع ما يتعرض له السياسي من محاسبة ومراقبة ونقد من المجتمع على أفعاله وأقواله وقد يصل الأمر به في الدول الديمقراطية إلى الرجم بالبيض الفاسد والدخول في السجون، أما في بلدان العالم الثالث، حيث العنف السياسي، فقد يتعرض إلى أشد من ذلك بكثير وقد يكلفه حياته. وطالما اختار نصرالله أن يكون رجل سياسة والتدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه، فعليه أن يتوقع المحاسبة والنقد كما يتعرض لهما أي سياسي آخر.
لا أعرف كثيراً عن السيد حسن نصرلله لأنه ليس ضمن قائمة أولوياتي، ولكني أعرف أنه رجل دين من المذهب الشيعي وزعيم لحزب الله في لبنان. وهذا يكفي ليجعلني أن أتوقع منه، كغيري من الشعب العراقي المظلوم، أن يقف ضد الطغاة وينتصر للمظلومين وذلك لعلمنا بما عاناه شيعة لبنان من الظلم على مختلف العهود. وكذلك أتوقع من نصر الله أن يعرف جيداً أن العراقيين هم ضحايا النظام الصدامي الفاشي الجائر، والعراقيون كانوا يأملون منه أن يقف إلى جانبهم في هذا الوقت العصيب. ولكن، ويا للخيبة، فقد اختار نصرالله، بملء إرادته، أن يخذلهم ويقف إلى جانب جلادهم لإنقاذه من زواله المحتم وخلاص الشعب العراقي من جوره ومحاولته لإنقاذ النظام وهو آيل للسقوط في اللحظات الأخيرة.
إن موقف نصر الله في انتصاره للطاغية وخذلانه للشعب العراقي يذكرنا بسابقة مؤلمة في التاريخ الإسلامي المليء بالدروس والعبر. ففي حرب صفين ولما كان جيش الإمام علي (ع) علي وشك أن يحقق النصر المبين وإلحاق الهزيمة المنكرة بجيش معاوية، لمعت فكرة جهنمية في رأس عمرو بن العاص الذي أشار برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة إلى التحكيم. ورغم تأكيدات الإمام لأتباعه وتحذيره لهم من أنها خدعة لإجهاض النصر، إلا إنه برز الخوارج في معسكر الإمام بقيادة الأشعث بن قيس وفرضوا على الإمام القبول بالتحكيم وأرسلوا أبا موسى الأشعري للتحكيم مع المخادع عمر بن العاص وكان ما كان في إجهاض النصر الذي كان على قاب قوسين أو أدنى من معسكر الإمام وأحالوا دون هزيمة معسكر بني أمية. ومنذ ذلك الوقت تغيَّر اتجاه التاريخ الإسلامي بمائة وثمانين درجة لصالح الشر.
إن دور عمرو بن العاص يلعبه اليوم السيد نصرالله زعيم حزب الله في لبنان في دعوته إلى المصالحة مع صدام حسين ونظامه البعثي الفاشي، كمحاولة منه لإنقاذه وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. كما برز العشرات ليلعبوا دور الأشعث بن قيس والأشعري من أمثال الكبيسي والربيعي والرفيعي والركابي ومن لف لفهم من المعارضين المزيفين للنظام. فرغم علمنا بأن دور هؤلاء في تغيير مسار الأحداث أقرب إلى الصفر عدا ضجيجهم العالي بحجة الخوف على الشعب العراقي من "القصف النووي" كما يزعمون، فهؤلاء لا يقدمون ولا يؤخرون في الأمر شيئاَ وكما قال الشاعر:
ما زاد حنون في الإسلام خردلة ولا النصارى لهم شغل بحنون
إن نصرالله وغيره من المدمنين على كراهية أمريكا والغرب، يريدون من الشعب العراقي أن يدفع بدمائه الزكية تكاليف هذا الإدمان. لا نريد أن نعدد مظالم النظام الفاسد ومعاناة شعبنا، لأنها باتت معروفة للعالم وليس بإمكان نصرالله أن ينكرها. لذا يكفي أن نسأل هؤلاء: ما الذي سيخسره الشعب العراقي إذا حاول الاستفادة من المستجدات التي حصلت في السياسة الدولية بعد كارثة 11 أيلول/ سبتمبر التي أجبرت أمريكا إلى تغيير سياساتها الخارجية والعمل للقضاء على المنظمات الإرهابية والأنظمة الديكتاتورية التي خلقتها ودعمتها في الماضي وبعد أن انقلب السحر على الساحر اكتشفت أمريكا أنه قد حان الوقت للخلاص منها.
نحن لا يهمنا أن تكون غاية أمريكا في القضاء على النظام خدمة لأغراضها الأمنية في القضاء على ترسانة سلاح الدمار الشامل للنظام، ولكن ما يهمنا هو ما ينتج عن هذه الحرب كتحصيل حاصل وهو خلاص شعبنا من نظام القتلة. فمثلنا كمثل الألمان مع هتلر في الحرب العالمية الثانية. إذ نعرف أن كان غرض الحلفاء في الحرب هو القضاء على النازية وخطرها على السلام العالمي وليس لإنقاذ الشعب الألماني بالدرجة الأولى، ولكن كان الشعب الألماني هو المستفيد الأكبر من النتائج والآن تعتبر ألمانيا من الدول الصناعية والديمقراطية الكبرى. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالشعب العراقي. أما قيام نظام ديمقراطي في العراق بعد سقوط النظام، فهو من مسؤولية الشعب العراقي ومعارضته الوطنية ونحن متفائلون بالمستقبل إلى أبعد الحدود. ونؤكد للناقرين على طبول الحرب "النووية" أن الحرب القادمة ستكون محدودة وقصيرة جداً وسوف يسقط النظام عند سقوط أول قنبلة عليه، وكلما ينتظره شعب العراق وجيشه هو التأكد من أن أمريكا فعلاً جادة لإسقاطه. وستكون القنبلة الأولى هي الإشارة والبيان الأول. وعندها سيهب الشعب العراقي وجيشه لإنجاز الباقي. وسيفاجأ العالم بما أكدناه مراراً وتكراراً أن النظام كان نمراً من ورق، وأن الشعب العراقي سيعبر عن فرحته الكبرى بالخلاص من هذا النظام الهمجي المتخلف وإلى الأبد.