الفصل الثاني
الانتفاضة الكبرى
وقائع وأحداث
مقتل صورة ..!
لم تكن انتفاضة العراقيين في آذار 1991 * حدثا منفصلا وقائما بذاته وإنما كانت نتيجة طبيعية لمعاناة شعب امتدت سنيناً، لذا جاءت تعبيرا صادقاً قويا وسريعا عن الرفض الكامل لحالات الإحباط التي قادت إلى رغبة أكيدة في تمزيق القيود التي كبلت أبناء الشعب، فتاريخ شعبنا هو سلسلة من المواقف البطولية التي اتسمت بالتضحيات الجسام من أجل عزته وصون كرامته، وكانت الانتفاضة تعميدا بالدم لرفض أساليب الدكتاتورية وحكمها البغيض.
إن أهم ما يجب النظر إليه هنا، ونحن نتحدث عن ضرورة إلقاء الضوء على بدايات الحدث التاريخي الكبير الذي صنعه العراقيون الأماجد عند اندلاع شرارة الانتفاضة ضد النظام التسلطي الدكتاتوري، هو التأكيد على حقيقة العوامل والمسببات التي هيأت وبلورت مناخا سياسيا وفكريا ونفسيا للانطلاق بقوة نحو التغيير وآفاقه، كذلك لا بد من القول إن قرار الانسحاب وما رافقه من تأثيرات سلبية مباشرة أسهمت في إمكانية إنضاج التهيؤ الثوري الحاسم لتحطيم حاجز الخوف والبدء بتصعيد الفعالية الجماهرية للشعب للوصول إلى تحقيق الهدف المرجو، وبهذا الصدد، يمكننا أن نشير إلى أن الوقائع والدروس المستخلصة من الأحداث الكبرى والحروب عبر العقود الماضية وما تؤكده أيضا مسيرة التاريخ بأن الهزائم والمآسي التي تلحق بالشعوب بسبب إستهتار الأنظمة الدكتاتورية تتمخض عن تغييرات جوهرية في كيانات تلك الأنظمة . وإذا كانت الهزيمة أمرا مرفوضا لا يليق بالرجال أن يستسلموا لها وان الفشل عيب يجب تلافي أسبابه قبل حدوثها، فإن صدام حسين يبقى المسؤول الأول عما لحق بالجيش العراقي من إنكسار وما ترتب عليه من تقييد لحرية العراق وسيادته الوطنية وجعله عرضة للتقسيم والتشرذم.
إن غزو الكويت في الثاني من آب 1990كان عملا طائشا غير مسؤول وكان يحمل في طياته نتائج وخيمة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، إن تفاصيل تلك المغامرة التي بكل نتائجها كانت لصالح القوى العالمية التي تنظر إلى الوطن العربي عموما والى منطقة الخليج العربي بوجه خاص من منطلق المصالح الاستراتيجية الخاصة بها.
وان كان لا بد من القول، فإننا لم نكن نتصور يوما أن هذا الرجل سيظل مصرا على تسمية الفشل انتصاراً والهزيمة ظفراً وخاصة عندما نستحضر الموقف الشهير للرئيس جمال عبد الناصر وهو يواجه شعبه يوم 9 حزيران 67 معلنا تحمله كامل المسؤولية عن حدوث النكسة وتخليه عن كافة مسؤولياته السياسية وغيرها بصوت مسموع وصورة مرئية وتوقعنا حدوث مثل هذا الموقف في العراق في الأيام التي تلت يوم 28 شباط 91... وتوقعنا أنه سيكون لقضية الكويت تأثيراتها السلبية على علاقة العراق بالأُمة العربية وهذا ما حدث، إذ أن أغلب الدول العربية أعادت النظر في موقفها تجاه العراق، وتوقعنا كذلك أن تمتد هذه التأثيرات إلى داخل العراق، أي إلى علاقة الشعب بالنظام القائم، وسوف تكون النتيجة لكلا التوقعيين صدمة تعيد صدام إلى وعيه وتجعله يعترف بفشله وما يترتب على اعترافه من التنحي عن مسؤولية الحكم في العراق، ولكن شيئا من هذا لم يحدث !
كما أن القوى التي استفادت من الحرب بالإضافة إلى تأثيرات إقليمية ومحلية، إرتأت أن استمرارية الحفاظ على مصالحها تكمن في بقاء صدام في الحكم ولو إلى حين!
إلا أن عملية المخاض أنذرت بولادة حدث كبير تجسد في اللحظة التي مزق فيها جندينا البطل الصمت والترقب المخيمين على نفوس الشعب والجيش عندما رشق ذلك الجندي صورة صدام بوابل من الرصاص من فوهة بندقيته فجر يوم 2 آذار 91 في "ساحة سعد" في البصرة* معلنا الخلاص من النظام الذي الحق بالجيش والشعب والوطن كل هذا الذل والإهانة. ولقد بذلنا جهدا للحصول على اسم ذلك الجندي الذي سيظل الرمز الأول لانتفاضة العراقيين ضد الدكتاتورية والطغيان. لقد كان في أعماق ذلك البطل العائد من الكويت خيبة وألم كبيران، يعتصرانه ويدفعانه للبحث عن وسيلة لاستعادة كرامته المهانة. وعندما أصبح وجهاً لوجه أمام "تماثيل صدام" في "ساحة سعد"، لم يسعه إلا أن يعبر علناً عما في داخله ودواخل أولئك الجنود الذين غصت بهم تلك الساحة من مشاعر الإحباط واليأس من جهة والرغبة العارمة في إنقاذ الوطن الجريح من جهة أخرى، ولم يكن أمامه إلا أن يطلق وابلا من رصاصه على صورة الشخص الذي اعتبره بكل وجدانه المسؤول الأول عن المرارة التي تعتصره وتحيط به .. انه جدير بأن يمنح لقب "ابن العراق البار".
وصف لي أحد الضباط تلك اللحظة التي فجر فيها "الجندي المجهول" شرارة الغضب قائلا: ((كنا أفواجا من رجال جار عليهم دكتاتور أهوج ... اختفت المناصب فيما بيننا وأزيلت الرتب، فصرنا جميعا منقادين إلى حيث لا ندري ونجري بلا وعي وفي كل ساعة يجابه أحدنا موقفا يفقد فيه السيطرة على نفسه... نلتفت يمينا فلا نرى إلا وجوها بائسة أرهقها السير وأذلها الموقف ... ونلتفت شمالا فنرى جثثا مكدسة وجرحى يأنون هي حصيلة ما جرته سياسة النظام غير المسؤولة. وقد ينشغل الإنسان باستعادة ما عانى وما ينتظره فلا يلتفت إلى ما حوله وباتت مناظر الموت مألوفة ولم تعد مشاهد الدماء تفزع أحدا وما كانت آثار الدمار والخراب الظاهرة في كل مكان تثير فينا المشاعر.
وفي لحظة كنا نحلم فيها بلقمة أو بكوب شاي ساخن أو سيكارة، كان بالقرب مني جنود يبيعون بنادقهم ويتقاسمون أثمانها بينهم، وكنت أحمل مسدسا قررت أن لا أفرط فيه، وكانت مجاميع من الناس توقف سياراتها "البيك أب" وتكدس فيها الأسلحة التي يشترونها من الجنود، وأعتقد أن هؤلاء المشترين كانوا تجاراً ولكن، أية تجارة هذه ! أو أي صنف جديد من التجار هؤلاء !
كنت في هذه اللحظة على الطرف الآخر من صورة صدام.. نظرت إلى الجنود الذين كانوا في حالة مأساوية والإرهاق باد على ملامحهم.. كان كل واحد منهم يحاول أن يكيل السباب والشتائم للحاكم بأعلى صوته ويهتف ضده. ثم رأيت أحد الجنود وقد أعاد ثمن بندقيته إلى المشتري وانطلق إلى موقع الصورة ليفرغ فيها رصاصاته، وحين نظرت إلى الصورة تمنيت اختفائها.))
مقتل ... ضابط كبير !
هكذا انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة المباركة من مدينة البصرة الباسلة ولم نكن نعلم ماذا يدور حولنا وكنت مثل غيري من الناس أتوقع حدوث شيء ما.
استيقظت صباح يوم 2 آذار 91 على صوت شاب يهتف بسقوط صدام ويردد (الثورة في البصرة... الثورة في البصرة) وكان يهرول مسرعا. منعني صديقي "أبو خالد" من الخروج من البيت وأخبرني أن الناس قد انتفضت في البصرة وان المظاهرات تعم المدينة وأهالي "الهارثة" و"الدير" يهتفون بسقوط صدام ويهاجمون الدوائر الأمنية والمقرات الحزبية وأضاف: انهم قتلوا ضابطا برتبة كبيرة في البصرة.* هيأت نفسي على عجل وأنا أنتظر وصول عجلتي العسكرية إذ لا بد أن أصل إلى المعسكر مبكراً** وعندما تأخر سائق العجلة عن الوصول اعتقدت أن تأخره كان بسبب الأحداث وحينذاك قررت استخدام سيارة صاحبي "أبي خالد" الذي رحب بالفكرة لكنه قال: (إن كمية البنزين في العجلة الصالون وهي موديل قديم قليلة وربما لا تكفي لإيصالنا إلى المعسكر)، ومع ذلك، قررنا التحرك فوراً وفي الطريق، شاهدنا أعلاما مختلفة الألوان ترتفع فوق البيوت والشباب يتجمعون في الطرق الرئيسة والفرعية والنساء يزغردن من فوق السطوح وينظرن بإعجاب وإكبار إلى ما يفعله الشباب وقد حاول بعضهم إيقافنا وكانوا قد أقاموا حواجز على الطريق، لكننا قررنا عدم التوقف وبعد مسافة لا تتجاوز كيلو مترين، لمحنا جماعة أخرى على الطريق وقد وضعت حاجزاً على الطريق كعلامات حديدية وإطارات محروقة ونظرنا إلى جانبي الطريق لعلنا نجد مجالا ونبتعد عن الطريق العام ونتخلص من الحواجز التي وضعها المدنيون، لكن سيول الأمطار وبرك المياه الآسنة كانت تحول دون خروجنا من الشارع المبلط.
كان "أبو خالد" مطمئناً إلى عدم حدوث ما يسيء لي إذا نحن توقفنا لأنه معروف من قبل شباب المنطقة ويستطيع أن يؤثر عليهم. أعدت على مسمعه ما أخبرني به قبل قليل عن مقتل ضابط كبير تدبيراً للموقف الحرج.
موقف حرج ... وحوار مع النفس
وخلال مسافة قصيرة جداً، أحسست أن شيئا ما يعتمل في داخلي وان شعورا بالإنشداد والتوتر العصبيين قد خلقا عندي معاناة حقيقية بالخطر الذي كان يحدق بي وكان لا بد أن أنجو بنفسي.
في الحرب مع إيران، شاركت في معارك ضارية لكنني نجوت منها رغم أنه قد تم تطويقنا عدة مرات إلا أنني لم أقع في الأسر، كذلك لم أضطر مرة قبل هذا الموقف إلى التفكير بإخفاء شخصيتي ولو مؤقتا، لكن الموقف يختلف الآن، فأنا أمام شباب ثائرين على نظام جار عليهم وان كرههم له يمتد إلى كل مؤسسات الحكم وخاصة العسكرية منها، ولما كنت ضابطا، فأنا معرض إلى الموت سيما وأن خبر قتل ضابط كبير من قبل الثوار أصبح مؤكدا وهذا يعني احتمال تعرضي للقتل أيضا مما دفعني إلى التردد للحظات، فهل أشهر السلاح بوجه من أعتبرهم أخوة لي ثائرين بوجه الظلم ؟ ولكن كيف التخلص من هذا الموقف ؟ فإذا قتلت أحدا سأعتبر خائنا ومعاديا للإنتفاضة في نظر الثوار ! وإذا قُتلت فماذا سيقال عني ومن سينصفني بعد ذلك ؟ فهل كنت ضد الإنتفاضة، أم معها ضد النظام، أم محايداً ؟ وهل يحتمل الوضع موقفاً محايداً آنذاك ؟ وهل يصح أن أُقتل بهذه الطريقة ؟ أم هل أستسلم لأشخاص تلعب بهم العواطف وتتحكم فيهم مشاعر العداء للنظام ويرون في كل ما يمت إليه بصلة كأنه صدام نفسه ! إنها وخزات أحسها في مكامن الضمير والوجدان. كان لا بد لنا أن نقف عند الحاجز لأنهم وضعوا عوائق من أحجار كبيرة لا يمكن للعجلة أن تجتازها. راح "أبو خالد" يسلم عليهم ويخبرهم بأنني ابن عمه وجئت من بغداد. ولنا مريض في مستشفى البصرة، فرحبت بنا المجموعة التي كانت قريبة من سيارتنا، وما أن تقدمت العجلة خطوة حتى أوقفنا أحدهم وعيونه وملامحه تقدح شراً وصرخ مخاطباً "أبو خالد" :
- قف .. قف .. العسكري الذي معك شكله ضابط أو حزبي كبير..!
- أجاب "أبو خالد" ..
- أبدا .. إنه لبس البدلة العسكرية ليسهل مروره عبر سيطرات الجيش واتجه الشخص ليفتح الباب عنوة، فقلت لأبي خالد وكأنني أبحث عن حل:
- سأكون مضطراً لاستعمال أي شيء إذا أجبرت على النزول!
في تلك اللحظة، اندفع نحوهم أشخاص يصرخون "الإنتفاضة وصلت العمارة .. الناصرية .. وعمت ضواحي البصرة"، فقطعوا حديثهم مع "أبي خالد" وراحوا جميعا يهتفون بسقوط صدام ووصفه بالإجرام والوحشية وتعالت الأصوات بالتكبير.
صحت "بأبي خالد" أن ينطلق لان الفوضى التي حدثت وانشغالهم بالخبر يسمحان بالمغادرة، وانطلق "أبو خالد" وهو يلوح بيده لهم مودعاً ويردد "الله اكبر .. الله اكبر".
وانقضى بذلك موقف حرج ما زالت وقائعه تتردد في ذاكرتي بين حين وآخر.
نداءات … واستجابات
وصلت المعسكر في الساعة الثامنة والنصف واستقبلني ضباط الركن وعدد من الجنود وسألتهم عن الأخبار، فأخبروني: أن هناك مظاهرات مسلحة وجماعات احتلت المراكز الحكومية وأن هناك ضابطاً قتل على أيدي المتظاهرين واستفسرت عما شاهدته على الطريق من ناقلات عسكرية تحمل أعلاما ملونة فأجابوني:
- إنها أصبحت بيد المنتفضين ولم تكن الناقلات تحمل أسلحة أو أعتدة وأنهم استخدموها لقطع الطريق أو كوسائط نقل وقد استقلتها مجموعات من الشباب والصبيان وهم يهتفون ويهزجون، فبدا المشهد وكأنه احتفال. طلبت من الضباط شرح الموقف العسكري المتعلق بالتشكيلات وسألت عن الوحدات التي لم تلتحق إلى المعسكر حتى الآن إذ كان القسم الأكبر من الناقلات قد وصل ليلاً في حين تأخر القسم الأكبر من الدبابات في الطريق وعلمت أن الدبابات التي في الفرقة الآن لا تزيد على عشرة، فلا بد أن البقية قد تعطلت في الطريق.
كان آمــرو التشكيــــلات، الثلاثين والســـادس عشر مع قائد الفرقة في مقر الفيلق فيما كان آمر اللواء الخامس والعشــرين يحاول ترتيب لوائه والتأكد من موجوداته وفي هذا الوقت أخذنا نتابع الأخبار ونتصدى لمعرفتها بعدة طـرق. لقـــد كان الوضع يــزداد خطورة والأحداث تتطور، فمدينة "الهارثة" وهـي مدينـــة كبيرة وكثيفة السكـــان وكــل مــا يجاورها من القرى الكثيــرة استجـــابت بسرعة لنداءات الثوار وبدت تجمعات "الشيوخ والنساء والشبــاب والصبيان مألوفة يملأهم الفرح ويعبرون عن مشاعرهــم بحماس وقـــوة ويهتفون بسقوط صدام. * لا أعتقد أن أحداً منهم في تلك الساعة راوده شعور بالفشل أو بقاء النظام بل كانوا جميعا يفيضون عزما وتصميما واعتقاداً راسخاً بحدوث التغيير الحتمي.
طلبت من آمر لواء المشاة الآلي / 25 العقيد الركن "محمد علي الجميلي" اتخاذ الترتيبات اللازمة لحماية المعسكر وتوزيع الناقلات على شكل فصائل حول المحيط وقرب المداخل والحيلولة دون اقتراب المدنيين من سياج المعسكر الذي يبلغ محيطه الخارجي (10) كم ومسيّج بالأسلاك الشائكة ويضم بقايا وحدات إدارية وخدميّة، تموين ونقل، طبابة، معمل ميدان، نقاط للعتاد والوقود، مستودعات ومشاجب تحتوي على مئات البنادق، قوة حماية من عشرات الجنود بعضهم من غير المسلحين، فتوزع الأشخاص وانتشرت الناقلات وتهيئوا للحماية.
كانت الأخبار عن انتشار الانتفاضة وسرعة امتدادها إلى جميع المناطق تجعلنا قريبين مما كنا نتوقعه، فهي نتائج لا بد منها وإذا كانت الإنتفاضة تسري كالنار في الهشيم فإن النفوس التي أججتها كانت تحمل من المعاناة والمرارة أكداسا متراكمة وهذه الانتفاضة هي ثمرة سنين من تحمل الظلم والاضطهاد والتمييز والقهر.
كان يتملك الضباط هاجس الخوف الممزوج بالدهشة والحيرة، لأن احتمالات التهام الإنتفاضة للمؤسسة العسكرية وأفرادها كانت متوقعة كما أن الجنود الذين عاشوا التجربة المرة واستنكروا الهزيمة كانوا من أكبر عناصر الانتفاضة وكنا نظن أن كثيراً منهم ينتظر ساعة الحساب والخلاص، فمهما كانت رغبات الضباط أو مشاعرهم قريبة من مشاعر الثوار وآمالهم، فإن زخم الاندفاع وهياج المنتفضين لم يترك على الأغلب فرصة لتحكيم العقل ولذا لم أستغرب ما كان يردده أحد الضباط وقد تملكه القلق قائلا: "سيدي، الموقف تعبان"، بل إن أحد ضباط الركن الذين أثق بهم عرض علي فكرة الهرب والاختباء لدى أحد شيوخ القبائل ولكني لم أُوافق وأبقيت العرض احتمالاً واردا، ثم شاعت أخبار في المعسكر بأن صدام على وشك الهروب إلى الجزائر وتناقلت وكالات الأنباء هذا الخبر فأتسع أمل الناس في التغيير وسقوط النظام.
وسيطر الثوار على الطريق التي تفصل مقري عن مقر الفيلق وبدأت اشعر بقلق متزايد وأتوقع ثورة المدنيين من حولنا في كل لحظة. صحيح، أننا نستطيع أن نحمي المعسكر لكن هؤلاء لا بد أن يتنفسوا كما تنفس الآخرون وتنفسهم يعني أن ينتفضوا ويزيحوا عنهم غبار الذل والظلم والقهر ولا بد من ظهور بوادر للسلوك الجمعي، (أي انتشار لسلوك خطر يشترك فيه من لا يرغب بالمخاطر أو المغامرة تحت تأثير الضغط الإجتماعي والسياسي "حسب مفهوم علم الإجتماع"). ولم يخل بالي من احتمال قيام أحد الجنود داخل المعسكر بعمل قد يعرضنا للخطر، لكن الوقت كان يمضي ومثل هذا الإحتمال كان يتضاءل، فقد أثبتت الأحداث أن نمط التعامل الأخلاقي والأخوي الذي كان يتحلى به الضباط جعل الجنود لا يخرجون عن تلك الحدود مما أبقى العلاقة بين الجنود والضباط متوازنة وبعيدة عن الأحقاد على الرغم من سياسة التمييز الطائفي والمذهبي التي مارسها النظام داخل القوات المسلحة وقد ظهرت أشكال من التعاطف الحقيقي مع الشعارات المطروحة خارج المعسكر، إذ كان الجنود يبدون تأييدهم وتمنياتهم في نجاحها وسقوط النظام على أيدي المنتفضين وقد بدا ذلك واضحاً على وجوههم وتصرفاتهم.
في هذه اللحظات الساخنة والمتسارعة كنا ننظر إلى الأوضاع ومتغيراتها بنحو ينصب على سياسات النظام ومحاولاته المستمرة في زرع الفرقة وتقسيم الشعب. كان الجميع يظهر تعاطفاً مع ما يطرح من أفكار وتطورات على الرغم من أن الأغلب. كان منهم يبدي حذره ويخشى أن يكون تعامل الثوار معه على أساس عدائي.
أذكر ما قاله لي أحد الضباط وهو من عائلة متنفذة بسبب انتمائها المذهبي في جنوب العراق: (هذه انتفاضة الجنوب، وهؤلاء الناس انفجروا الآن بعد كبت دام عشرات السنين وهذه فرصتهم ولا أحد يستطيع السيطرة عليهم . أُنظر ، المعسكر مطوق، والبصرة لم تبد أية مقاومة، وسيكون الحال كذلك بالنسبة لجميع النواحي والقرى والأرياف. وصل التمرد إلى ميسان وذي قار، إني قلق جداً .. أرجوك أن تتخذ قراراً يخلصك ويخلصنا - "ويقصد أن نترك المعسكر ونختفي"- سيقتلنا هؤلاء وأشار بيده إلى تجمعات السكان ومظاهراتهم أمام المعسكر.
نساء وأطفال ... في المعسكر !
سادت حالة من القلق والارتباك بين بعض الضباط والآمرين عندما اقتربت مجاميع الشباب من السياج الخارجي للمعسكر وهي تهتف هادرة ضد صدام وتوجه النداءات والهتافات إلى الجنود تدعوهم للمشاركة معهم في الإنتفاضة. لم يكن بأيدي هؤلاء الشباب سلاح، كانوا يرتدون الدشاديش ومعهم النساء والصبيان الذين لا يقلون عنهم حماسا واندفاعا بل ان النساء كن يتقدمن بعض المجموعات ويلوحن بعباءاتهن وهن يرددن الهوسات والأهازيج التي تؤجج المعنويات والاندفاع، ودور المرأة معروف تأريخيا في المواقف الوطنية في الجنوب والفرات الأوسط، فقد كانت دائماً مصدراً لتحفيز الهمم وتقوية العزائم ووجودها عامل تشجيع في الاستبسال والبطولة وحين كانت هذه المشاهد تمر أمام الجنود، كانت تطفح على وجوههم ابتسامات الرضا والفرح حتى بدأوا يتجاوزون الصمت إلى التصريح وكان الضباط يتعاطفون مع الثوار. في تلك اللحظات الحاسمة، لبثنا نحن الضباط والجنود في حالة صراع نفسي بين الإلتزام العسكري والواجب الوطني في تأييد الجماهير الثائرة وكنا نترقب الأحداث وننظر بألم وأسى إلى بواكير الإنتفاضة وهي تأخذ شكلا لا يدل على التنظيم والإدراك، وكم تمنينا أن نكون جزءاً منها ونسهم في رسم سير الأحداث ونكون كما عهدنا شعبنا من أن جيشنا هو الوسيلة للتغيير والبناء وبأنه الأمل المرجى في ساعات الحسم.
وفجأة، دخل أطفال ونساء إلى المعسكر واحتلوا جزءا منه وكنا قد كلفنا الضباط والجنود بواجبات بسيطة ووزعنا القوة حول المعسكر وأبقينا فصيلا داخله فيه ثلاثة عجلات قتال مدرعة "B.M.B1" تقف عند باب المعسكر وكان آمر الفصيل برتبة ملازم أول وهو ضابط جيد، وفي نظرنا كانت هذه القوة كافية لمنع أي اقتحام للمعسكر، فكيف دخل هؤلاء الأطفال والنسوة إلى المعسكر؟ وعندما استعرضت القوة بنفسي، تأكد لي أن الأمر لم يكن نتيجة إهمال عفوي وإنما يعني شيئاً آخر، وهذا الشيء هو عمق التلاحم بين أغلبية منتسبي المعسكر (الجنود وضباط الصف) وهؤلاء الثوار من جهة، والعلاقة الطيبة بين الجنود والضباط من جهة أخرى، هذه العلاقة عبرت عن نفسها بمجاملة اقتضتها الظروف فأعاقت تحرك الجنود وجعلتهم يحتفظون بوضعهم الاعتيادي دون حدوث تطورات ودون أن يلغي ذلك تعاطفهم مع الانتفاضة.
الانتفاضة عراقية
ما أن هدأت الأمور، حتى هجم عدد من الشباب العزل من السلاح على سياج المعسكر فطاردهم ضابط الأمن وجنوده وأحضروا أربعة منهم أمامي وجدت نفسي حينذاك في موقف لم أكن أرغب يوما أن أكون فيه بل وفي مثل هذا المأزق الحرج، فقد كانت الأوامر الصادرة بخصوص الإنتفاضة تنص على إعدام كل من يلقى القبض عليه مباشرة ودون محاكمة. * وبينما كان الجنود يقودون الشباب الأربعة باتجاهي كنت أفكر في إيجاد طريقة أتخلص بها من المسؤولية المترتبة علي في مثل هذا الظرف وفي الوقت ذاته أنقذ بها حياة هؤلاء الثائرين، إذ كيف يطاوعني ضميري أن أصدر الحكم بإعدامهم وأنا في أعماقي أحمل أحاسيسهم وإرهاصاتهم ذاتها وأفسر كل صرخة من صرخاتهم بأنها مشعل ينير الطريق أمام يقظة الشعب من سبات عميق فرضه عليه نظام ظالم جائر! كانت ملامح الشباب الأربعة تنم عن ثقة صادقة بأنفسهم وتدل على عزيمة أكيدة وإصرار ثابت على السير قدماً في الطريق التي اختاروها من غير أن يرهبهم إلقاء القبض عليهم. وعند مساءلتي لهم عن مهاجمتهم لسياج المعسكر، أجابوني بشيء من الإنفعال:
- إن هدفنا هو إسقاط صدام ونظامه وإن إنتفاضة عارمة تعم العراق ونحن هنا جزء منها.
هنا تذكرت ما أشيع عن أن إيران دفعت عناصر إيرانية للإشتراك في الإنتفاضة وحتى قيل أن هذه العناصر الإيرانية هي التي تخطط للإنتفاضة وتقودها، فسألتهم:
- هل دفعكم إلى هذا العمل من جاءكم من وراء الحدود ؟
كانوا كمن استفزهم سؤالي والتفتوا إلى بعضهم باستغراب وإمارات الحيرة والتعجب بادية عليهم واستفسروا عما كنت أقصد بسؤالي، فقلت منفعلا:
- أقصد إيرانيين ! ... إيرانيين ! ... هل دخلوا قضاء الهارثة؟
حينذاك صدرت من الأربعة وفي آن واحد عبارات النفي وقال أكبرهم:
- أي إيرانيين ! (ما يشيل الحمل غير أهله .. الإنتفاضة إنتفاضتنه وعراقية ! ) .. ثم أشاروا بأيديهم نحو الطريق العام حيث يتجمع الناس قائلين:
- هؤلاء الناس كلهم من جماهير الهارثة وهم أهل الإنتفاضة .. فما هي علاقتنا بالإيرانيين ؟ بعد ذلك قررت العودة إلى الموضوع الأساس في حواري معهم، فسألتهم:
- ماذا تريدون من الجيش ؟
- لا نريد شيئاً .. نحن أيضا عسكريون والجنود إخواننا.
ثم التفت لضابط الأمن أسأله:
هل كان هؤلاء مسلحين ؟
- كلا، لم يكن معهم سلاح ولكنهم حاولوا انتزاع السلاح من الجنود عنوة أو شرائه منهم ومن ثم مهاجمتنا !
قال أحد الشبان الأربعة مدافعاً عن مجموعته وكان ممتلئ الجسم:
- نحن كنا خارج المعسكر وجماعة الأمن اختطفونا من هناك.
فتدخل ضابط الأمن مقاطعا بدون إذن:
- "هذا يكذب وأعتقد أنه ضابط وقد مسكناه داخل المعسكر" كانت شخصية الشاب قيادية فتصوره ضابط الأمن بأنه ضابط، فنظرت إلى الشاب متسائلا عما إذا كان ضابطاً، فأجابني، نحن جميعا جنود .. هربنا من الكويت منذ بداية القصف الجوي وأشار إلى أحدهم قائلا: "هذا الشاب وصل اليوم" وكانت علامات الصلابة والثقة بالنفس تبدو عليه، ولما أصر ضابط الأمن على أنه ضابط،أجابه وبشيء من الإنفعال: (هاي الهارثة كلهه ما بيهه ضابط واحد ! )
أعادني هذا الكلام إلى أيام خلت وكشفت لي عن دلالات حديث سابق، (فقد كان لي زميل من أهالي ناحية الهارثة اسمه "علي" .. تعرفت عليه أثناء دراستي في قسم الإجتماع في الجامعة عام 1984 وكان يبدي لي المساعدة في تأمين المحاضرات وتهيئة مستلزمات الدراسة لأن التزاماتي ومشاغلي في الجيش كانت تحول دون انتظام حضوري في الكلية.
كنت التقيه أيام العطل في القسم الداخلي للطلاب في بغداد وأقضي برفقته ساعات وهناك تعرفت على "كاظم" القادم من القادسية و "ياسر" من ذي قار وتناولنا أحاديث وردت فيها حقائق ومضامين سياسية ... من بينها ما حدثوني به عن أنفسهم من انهم كانوا يرغبون دخول الكلية العسكرية أو كلية الأمن القومي أو كلية الشرطة، ولكنهم لم يقبلوا في أي من هذه الكليات رغم أن شروط القبول المعلنة * متوفرة فيهم، كاللياقة البدنية، معدلات النجاح، السمعة الجيدة، كما أنهم منتسبون إلى حزب البعث وينتمون إلى قبائل معروفة).
عندما ردد أحد شبان الإنتفاضة الأربعة قوله السابق "هاي الهارثة كلهه ما بيهه ضابط واحد"، أدركت معنى قوله وتذكرت حديث زملاء الدراسة .. ولكن علي أن أتصرف بما يتطلبه الموقف من حكمة ..
خاطبتهم قائلا:
- أنتم هاجمتم المعسكر، بينما مشكلتكم مع صدام حسين وهو في بغداد وليس هنا .. وهذا المعسكر نحن مسؤولون عنه ولا نسمح لأحد بالتجاوز عليه، اذهبوا وأخبروا الناس المحتشدين خارج المعسكر إننا سنعاقب كل من يدخل المعسكر منهم..! ثم أمرت بعد ذلك بإطلاق سراحهم.
كان حولي عناصر أمن وهؤلاء هم عيون النظام وأزلامه يبحثون عن كل صغيرة وكبيرة لتكون مادة لعملهم وينقلونها إلى مراجع أعلى، فكيف بمثل هذه الحالة التي تعني عدم تنفيذ أوامر قيادية شديدة صدرت تواً لمعالجة ما يمس أمن "الثورة والحزب ورأس النظام"؟ قال أحد عناصر الأمن:
- كيف يا سيدي ؟ إنهم مجرمون، دعنا نسلمهم إلى شعبة أمن الفيلق.
أجبته:
- إن هدفي هو تحذير هذه الحشود المتمردة، وإننا مصممون على استخدام العنف والقوة ولا يمكن أن نضعف وبذلك نتجنب مهاجمتنا على غفلة، ويبدو أن الشبان الأربعة كانوا قياديين ومن أكثر العناصر حماسا واندفاعا وسمعت في اليوم التالي أن أحدهم قد أعدم بعد إلقاء القبض عليه وهو يقوم بقيادة مجموعة ثانية للهجوم على شعبة أمن الفيلق الثالث.
وفي عصر اليوم نفسه، تكرر الهجوم على المعسكر وشارك فيه هذه المرة مجموعة من العوائل الجائعة وأطفال يبحثون عن كل ما يسد رمقهم وكانوا واثقين من أن النظام قد انهار وانه لا أثر للدولة إذ كانوا يقدرون معاناة الجنود والضباط التي عاشوها خلال حربين متتاليتين ولا بد أن يدفعهم ذلك إلى رغبة أكيدة في تغيير النظام المتسلط.
أخرجناهم مرة أخرى من المعسكر من دون استعمال أي سلاح ومن دون إطلاق رصاصة واحدة ولم يكن الوضع مستقراً في المعسكر لأن الأخطار بدأت تتصاعد وأصبح المعسكر هدفاً للجماهير المنتفضة. كنت أشعر أن هناك تحركاً كثيفاً يجري لتنفيذ هذا الهدف وأن أي حادث عفوي قد يؤدي الى كارثة، وكنت أخشى من حالة الانفعال عند أي ضابط أو جندي لأن ذلك قد ينتهي بتسجيل سابقة خطيرة، لا سمح الله، إن وقعت.
، ، ،
بعد خروجنا من المعسكر الساعة الرابعة عصراً في 2 آذار وفي الطريق إلى مقر الفيلق، شاهدنا تجمعات كبيرة وواسعة ولم يتعرض لنا أحد من أفرادها وكنا في ناقلات B.M.B1 وعددها أربعون ناقلة والمسافة حوالي 10 كم، وخشينا أن نكون هدفا للقناصة أو للـقاذفة (R. B.J7) إلا أننا تعرضنا بعد قليل من المسير إلى إطلاق رصاص ومن مسافات بعيدة، فلم يصب أحد منا.
على الطريق العام بصرة - عمارة، كان العشرات يهتفون وكانت الفوضى واضحة في الشعارات والتحركات ولم تكن هناك جماعة مسلحة موحدة. ويبدو أن الهدف كان غير موحد أيضا ولم تكن هناك قيادة عليا لهذه التحركات. فقد وقعت مجموعة عسكرية في أحد الكمائن وسرعان ما دب الخلاف بين أفراد هذه المجموعات في تقرير مصيرها إذ كان هناك من يدعو إلى ضرورة الاحتفاظ بهم إلى حين، وآخرون يتمسكون بإطلاق سراحهم فورا ونشب الخلاف والجدل بينهم حيث لم يملك أحد منهم حق إصدار الأوامر بمفرده.
على اثر اتساع الانتفاضة وانتشار أخبارها، بدأت ركائز النظام تسقط الواحدة تلو الأخرى وأخذ كل واحد منهم يحاول أن ينجو بنفسه والتحقت مجموعة من البعثيين بالانتفاضة خوفا من أن ينالهم عقاب على أيدي الثوار، في حين اعتقد المنتفضون أن سقوط النظام بات مسألة وقت فقط وأن فترة استمراره ستكون قصيرة، وأمام هذا التصاعد كانت الأنباء وبعض الإذاعات تتحدث عن انهيار النظام وعزم صدام وأزلامه على الرحيل إلى الجزائر حيث اعد له بيت وانه على وشك المغادرة ولم تكن الإذاعة العراقية قد عاودت البث بعد، ولذا لم يكن أحد يعلم ما كان يجري على أرض الواقع بصورة حقيقية، وقد تعطلت كل الخدمات، فلا ماء ولا كهرباء، ومما زاد في صعوبة الأمر معاناة أهل البصرة وقراها من شحة الماء المزمنة مما أرغم الناس على شرب ماء غير صالح للشرب.
لم نكن حين وصولنا إلى مقر الفيلق قادرين على التحرك شمالا أو جنوبا ولم نتمكن من التنقل إلى الضفة الثانية من النهر وكان الشعور نفسه يسود قيادة الفيلق ومن بقي من قيادة التنظيم الحزبي فقد كانوا مثل بقية العراقيين يتوقعون أن يسقط النظام بسرعة، لذلك بقوا في مقراتهم للدفاع عن أنفسهم فقط وكانوا يحاولون تهدئة الأمور قدر المستطاع.
عند الساعة السابعة مساءاً، وصل النقيب "مزاحم"، وهو واحد من الضباط المعوقين الذين تقرر في وقت سابق إبقائهم في المعسكر الدائم لمقر الفرقة في ناحية "النشوة" وعلمنا منه انه استطاع وبصحبة الجنود الهروب والتسلل من خلال بساتين النخيل التي تفصل المعسكر عن شط العرب وذلك بعد أن تمكن من إقناع صياد سمك بتأمين عبورهم.
وأخبرنا النقيب "مزاحم" أن أشخاصا ملثمين بدأوا بالتسلل إلى معسكرات الفرقة * للاستيلاء على الأسلحة وحين سألته عن السبب في عدم إلقاء القبض عليهم، أجابني: بأن وضع الحراسات لا يساعد، فعددهم قليل وغالبيتهم من المعوقين وقد ترك الحرس واجباتهم وتسربوا إلى أهلهم بعد وقف إطلاق النار.
ثم أردف النقيب "مزاحم" قائلا، أن أعدادا كبيرة من المتظاهرين هاجمت المعسكرات وهي تهتف ضد الدولة وتطالب بسقوط النظام وقامت بتهديم جدارية لصدام ومزقت جميع صوره، وأضاف: أن غالبيتهم كانوا مسلحين وسيطروا على مشاجب الأسلحة.
وقال: إن المتظاهرين لم يؤذوا أحدا وطلبوا من العسكريين أن يشاركوا في "الهوسات" ضد الحكومة واعترف النقيب "مزاحم" بمشاركته في جزء منها وقال لم يكن بينهم غرباء وان اغلبهم من الشباب الذين جاءوا من "الشلامجة" و"عتبة" و"الزريجي" و"النشوة" وكانت أعدادهم تزيد على الآلاف لكثافة السكان في هذه القرى ومن بين هؤلاء المتظاهرين جنود عائدون من جهة الكويت وأعداد كبيرة من طلاب المدارس ومجموعات من الشيوخ والنساء.
أعدنا السؤال عليه، هل كان يقودهم ويشترك معهم إيرانيون* ؟ فأجاب دون تردد: كلا، لا يوجد بينهم إيرانيون، وأضاف، انهم ليسوا بحاجة إلى تحريك من خارج الحدود حيث انهم متهيئون للأعمال "الغوغائية"، وعن الفوج الرابع الآلي ** الــذي عبر إلى الضفة الشرقية لشط العرب باتجاه ناحية التنومة، قال: عبر الفوج الضفة بسلام وبكامل عدده وبدأ يتنقل من الشلامجة شمالا باتجاه معسكره في ناحية النشوة وفي الطريق نشبت الأعمال الغوغائية وقد شارك عدد من ضباط الفوج وجنوده في "الهوسات" التي كان يطلقها المنتفضون لتأجيج المشاعر والعواطف ولجر أفراد الفوج للاشتراك معهم، وقد تعطلت أغلب عجلات الفوج المدرعة على الطريق بسبب نفاد كميات الوقود فيها، أما الأسلحة الخفيفة والأعتدة فقد استولى عليها المنتفضون، وبصورة إجمالية، فان كافة منتسبي الفوج قد تسربوا إلى أهاليهم ولا يوجد أحد منهم الآن!
وقد تعرضت معسكرات الفرقة الحادية عشرة والخامسة الآلية وقوات الحدود لنفس ما تعرض له معسكر فرقتنا وتشكيلاتها من إقتحامات بقصد الحصول على الأسلحة والأعتدة والمواد التموينية.
وأخر ما قاله "مزاحم": لقد ترك غالبية الجنود المعسكر وان المتظاهرين يحاصرون المقرات الآن، غير انه لم تقع اشتباكات مسلحة بين المهاجمين وجنود المعسكر.
في الساعة الثامنة مساء 2 آذار، توجهنا قائد الفرقة وأنا نحو مقر الفيلق وبعد وصولنا إلى هناك اتجهت نحو غرفة العمليات بينما اتجه قائد الفرقة نحو الجناح الخاص لقائد الفيلق (الفريق صلاح عبود) وبعد عشر دقائق عاد واخبرني بان قائد الفيلق والفريق سلطان هاشم، معاون رئيس الأركان للعمليات، سيذهبان غدا إلى صفوان ليمثلا العراق في المفاوضات التي ستجري مع دول التحالف والمطلوب تأمين سرية مشاة آلية لحمايتهم وقد أبلغ القائد آمر لواء المشاة الآلي / 25 العقيد الركن "محمد علي الجميلي" لتهيئة السرية على أن تكون جاهزة مع الضياء الأول ليوم 3 آذار 91.
لم تكن مهمة الجميلي سهلة، حيث يحتاج الأمر إلى "11" عجلة قتال "B.M.B1" في الوقت الذي لا تسمح الكفاءة الفنية وكميات الوقود المتوفرة بذلك فاكتفى بإرسال خمس عجلات وعشرين جنديا بأمرة ضابطين.
، ¢ ¢
الجياع ... ومدخر التموين
من جانب آخر، استمر الثوار في تصعيد عملياتهم حيث هاجموا مدخر تموين "النشوة" في ناحية "الدير" واستولوا على كميات كبيرة من المواد الغذائية "كالطحين، الرز، السكر، الشاي والبقوليات الجافة"، والتي كانت مخصصة لتموين قطعات الفيلق الثالث.
في أثناء ذلك، صدرت الأوامر للفرقة السادسة بالحركة الفورية لمنع "المخربين" * من السيطرة على محتويات المدخر وتفتيش الناحية وفرض السيطرة الأمنية عليها.
في الساعة التاسعة صباح 3 آذار، تحركت الفرقة وهي تضم عشرين عجلة "B.M.B1"، وبضع دبابات، وكنت ضمن مجموعة القيادة إلى جانب القائد ومعنا آمري التشكيلات وفصيل الحماية.
في الساعة الحادية عشرة، وصلنا مركز الناحية وكان الوضع هادئا لا أثر فيه لأية أعمال تخريبية كما ابلغنا بذلك عند استلام المهمة، ولكن المدينة كانت في حالة إضراب، فقد تعطلت الأسواق والخدمات. بعدها توجهنا إلى المدخر وكان آمره ومجموعة حماية صغيرة في استقبالنا بعد أن كانوا قد اختفوا وتركوا الأهالي المدنيين يستولون على المحتويات وظلوا في مخابئهم ولم يخرجوا منها إلا بعد رؤيتهم طلائع القوة المدرعة تتقدم نحوهم.
قال "أبو ليث" آمر المدخر، وكان برتبة عقيد واصفا الهجوم:
((تجمع المئات من النساء والرجال والأطفال حول السياج وهم يحملون العصي والفؤوس وكان بعضهم يحمل بنادق كلاشنكوف ومسدسات وراحوا يهتفون ضد الرئيس وضد الحزب)) ولما استفسرت منه عن مطالبهم، قال: ((كانوا يريدون أن ينهبوا المدخر وقد هددوني بالقتل ولكني لم أستجب لهم.))
واستغربت مما جاء على لسان أبي ليث ثم سألته عن الطريقة التي دخلوا بها إلى المدخر؟ فقال ((انهم عبروا الأسيجة واقتحموا الأبواب وكسروا الأقفال)) واستطرد قائلا:
- (إن جنود الحماية، وهم في الأساس مجموعة من المعوقين، أطلقوا النار على المهاجمين والذين كانت أعدادهم كبيرة) وعلمت فيما بعد إن الحماية لم تستطع أن تفتح النار على المهاجمين بل اختفوا في البيوت المجاورة للمدخر) ولما كان هذا الأمر يعرضه حينها للمساءلة لأن الأوامر كانت تنص على إطلاق النار على المتظاهرين بلا تردد لذا فانه كان مضطرا لإعداد تلك القصة، ثم سألت "أبا ليث" بلهجة مازحة:
- كيف يسرق مدخر فيه مئات الأطنان من المواد الغذائية خلال ساعتين وقد جاءوا حفاة وبلا وسائل نقل ومخزن الرز وحده يحتوي على (40) طناً كما قلت لنا الأمر الذي يحتاج إلى (40) عجلة بيك أب أو عدة شاحنات ؟
ضحك .. بعد أن ارتسمت على ملامحه ما يدل على الحيرة والارتباك، وقال:
((كانوا جياعا وشاهدت نساءهم تحمل الواحدة منهن كيس رز على كتفها وتتجه مهرولة نحو دارها لتعود مرة ثانية خلال دقائق!))
قال الضابط الإداري للمدخر: انه ((شاهد إحداهن تحمل جهاز تكييف فوق رأسها وصبية يتولون أمر مخازن المعلبات والكارتونات الصغيرة)) *
كانت الجماهير المهاجمة من الفئات المسحوقة اقتصاديا وتعاني من شظف العيش وليس غريبا أن تكون نظرتهم إلى النظام بكليته نظرة كراهية إذ استأثر أزلامه بكل لوازم الرفاهية والعيش الرغيد في القصور الفارهة حيث كان كل من ينتسب إلى الزمرة الحاكمة يحوز ما يشاء من الممتلكات في حين كان الناس ينحدرون إلى قاع الفقر وليس من سائل عن حالهم. ولما قام صدام باحتلال الكويت، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وبدأ العمل بنظام البطاقة التموينية والذي لا يكاد يكفي العائلة لمدة عشرة أيام في حين استمر أعوان النظام بالتمتع بالثروات وإنفاق الأموال على هواهم دون أن يؤثر فيهم الوضع الجديد ولا بد لنا من ذكر، أن النظام ادخل عملية الفرهود في سياسته وطبقها فعلا في صورة مادة لمعاقبة من يخفون سلعا أو يتحايلون على "الشعبة الاقتصادية" التي تراقب التجارة والتابعة لدوائر الأمن العامة، فكان المخالف يحبس ثم يحدد يوم "لفرهدة" مخزنه وأمام عينيه، ويأتي الجلاوزة وأقاربهم من كل حدب وصوب في ساعة يتفقون عليها ويقومون بنهب محله التجاري باسم الدولة وتعليماتها!
بعد أن انهينا تفقد المدخر، خرجنا إلى الشارع العام قرب مديرية الناحية حيث وزعت القواطع على التشكيلات ووجهت إليهم أوامر بتفتيش المنطقة دون التعرض إلى البيوت.
كان دخول الفرقة المدرعة يعني استرداد النظام لمواقع عائدة للثوار، لكن ذلـك لم يعن بســـط السيطرة الكاملة عليها، فالمدينة لم تشهد أعمال عنف أو إطلاق نار وطريقة تنفيذ "الواجب" كانت مؤثرة كثيراً، حاول الجميع أن يشعروا الناس بالعطف والرحمة وان الأوامر الصادرة من بغداد لم يجر تنفيذها كما أراد النظام.
كابوس أم حقيقة ..؟
عندما كنا بالقرب من مركز الناحية بانتظار نتائج التفتيش، شاهدنا شابا يركض مسرعا ويتبعه عدد من الجنود وفي هذه الأثناء جاءنا عنصر من بقايا الأمن العام الذي كان وراء عملية الملاحقة قائلا:
- إن هذا الشاب كان يقود المتظاهرين *! حينها بادر قائد الفرقة وأرسل أحد جنود حمايته للتعرف على الموقف، فسار الأخير في الاتجاه الذي أشار إليه الأول وبعد مضي دقائق لا تتعدى العشر، جيء بجندي الحماية مصابا بطلق ناري في يده اليسرى وكانت الإصابة بسيطة بحيث لم تصل الرصاصة إلى العظم، لكن الحادثة كانت تعني اعتداءا وتحديا لان الفرقة غلب على تصرفها الهدوء والمسالمة ولم تطلق رصاصة واحدة على أحد وساد شعور بأنه لا بد من العثور على الجاني ورأى قائد الفرقة أن يستعين بمختار المنطقة للتعرف على الشخص، فهذا من اختصاصه، فأرسل أحد جنود الحماية لجلبه من بيته وقد وصل المختار بعد ساعة تقريبا،
ولما سلم علينا .. قال معتذرا:
- آسف، لم استطع الخروج من بيتي بسهولة، ليس اليوم فقط بل منذ أسبوعين لان أهل "الدير" يتهمونني بأنني جاسوس للحكومة *
رد عليه القائد مقاطعا كلامه :
- لا داعي لهذا الكلام، "أريد منك أن تأتي بالشخص الذي أطلق النار على الجندي". ثم أوعز إلى حمايته بمرافقته ليدلهم على الدار التي أطلقت منها النار وقبل أن يتحرك المختار وجماعة الحماية ورجل الأمن والجندي الجريح قال القائد موجها حديثه إلى المختار:
- إذا لم يعترف أهل الدار، لدينا أوامر بضربها بالدبابات !
ذهب المختار وجنود الحماية لجلب الشخص الذي أطلق النار على الجندي ولكنهم لم يجدوا في الدار سوى نساء وأطفال أكدوا لهم أن أولادهم في الجيش، فعاد المختار والحماية والجندي الجريح ليخبروا القائد بما جرى، ثم أردف المختار قائلاً:
- سيدي هذه العائلة معروفة ولا يوجد لديهم الآن رجل واحد يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل وقد يكون "الأخ - وأشار بيده نحو الجندي "واهم" -، وقد تكون إطلاقة طائشة أصابته وربما هرب الفاعل باتجاه النهر (شط العرب).
هنا ظهر الانفعال على قائد الفرقة، الذي خاطبه قائلا: لا تتستر عليهم، أنا أريد الفاعل فورا وإذا لم تأت به سيكون أحد أولادك بديلا عنه، لديك نصف ساعة .. فرد عليه المختار بصوت منخفض :
- إنني في ورطة تماما .. "أهل المدينة يتهموننا بالتعاون مع الحكومة ضد الشعب ولا نستطيع الخروج من بيوتنا .. أنا عضو في حزب البعث وابني نصير متقدم في الحزب.. والجيش يتهمنا بالتواطؤ مع الأعداء .. هذه بلوى صبت على رؤوسنا".
ثم اخذ المختار أحد جنود الحماية واتجه للبحث عن الشخص الذي أطلق النار على الجندي ..
عاد بعد نصف ساعة وبرفقته شاب طويل يرتدي دشداشة بيضاء وجاكيت ازرق، مظهره وحركاته توحي بالحياء والتهذيب ولما وصل بادر قائلا:
- هذا ابني .. تفضلوا خذوه بدلا من الشاب الذي تطلبونه !
بدت على القائد علامات الإحراج وصمت للحظات قبل أن يرد بشيء واكتفى بالقول:
- سنضرب ابنك الآن !
اقتربت من ابن المختار الذي يعمل مدرسا في إحدى المدارس الثانوية وتحدثت معه عن الأحداث التي وقعت في الناحية خلال اليومين الماضيين، فقال:
- إن البعثيين يتعرضون لتهديدات بالقتل منذ بداية القصف الجوي لدول التحالف في 17 كانون الثاني، ولأن "والدي" مختار المنطقة وعضو في الحزب فقد تم التركيز على "عائلتنا" ووصلت الأمور إلى درجة أصبحنا فيها لا نفتح الباب الخارجي إلا بعد التأكد من هوية الطارق ولا نخرج من البيت بعد الضياء الأخير.
ورغبت في مزيد من الحديث عن المنظمة الحزبية وبقية الحزبيين البعثيين، فقال:
- انهم اختفوا تدريجيا، ذهبوا إلى المدن الأخرى خشية انتقام أهالي المنطقة منهم لأنهم يمثلون السلطة
وبعد لحظات من الصمت، سألته عما إذا كان الحزب قد أساء لأهالي المنطقة، فأجاب:
- "لا توجد إساءات متعمدة، بل ملاحقة للهاربين من الجيش ومطالبة الناس بالالتحاق بقواطع الجيش الشعبي، وملء بطاقات المعلومات وغيرها من الأعمال التي تتم بناءا على تعليمات تأتي من فوق ونحن ننفذ! وعلى أية حال، فان الحزب أصبح مكروهاً لدى الناس لأنه لم يعد جماهيريا كما كان الحال في السابق، كذلك الناس تكره الحكومة وصار الحزب جزءا منها.
كان تعاطف المختار مع أبناء مدينته واضحا وكانت طريقة كلامه تدل على تحاشيه التورط في مقتل ابن إحدى العوائل المعروفة فيها ولكن قائد الفرقة يجد نفسه مرغما على التشدد في تنفيذ الأوامر ويخشى أن توجه له تهمة التقاعس والتواطؤ خاصة والأمور لم تكن قد حسمت بعد، فالمؤشرات تتلاحق والنظام ما زال قائما.
كان قائد الفرقة على قناعة بأن المختار يعرف الفاعل ولكنه يخشى انتقام ذويه، لذا قرر حجز ابن المختار في مقر الفرقة حتى الساعة الثانية بعد الظهر وهدد بإطلاق النار على ذراعه اليسرى إذا لم يتم إحضار الشاب المطلوب، عند ذلك اقتيد ابن المختار إلى مقر القيادة.
كنت حينها أقف متأملاً الموقف عن كثب وأنظر باحترام وود إلى المختار وابنه، فهما رجلان محترمان ولم تصدر منهم إساءة لأبناء مدينتهم وأصبحا في وضع لا يحسدان عليه عندما تعرضا للمسائلة وحتى الإهانة تجسدت أمامي صورة مروعة عن النظام، فقد حول مجموعة كبيرة من الناس إلى شركاء له في سياسته بل إلى مؤسسة تعمل لصالحه وقارنت بين الوضع الذي انحدر إليه الحزب في نشاطه حيث اصبح مؤسسة أمنية خانعة للنظام وبين طموحات وتطلعات أولئك القادة البعثيين الذين كان إخلاصهم لمبادئ الحزب والأمة العربية سببا في أن يقضي عليهم صدام!
في الساعة الثانية بعد الظهر، جاء المختار إلى مقر الفيلق ومعه شاب نحيف يعلو بشرته اصفرار شديد وتوجه إلى قائد الفرقة قائلا: هذا هو الشاب المطلوب ! في هذه اللحظة طلب منه القائد أن يراجع نفسه وهل هو متأكد من ذلك أم أنه جلب الشاب لإنقاذ ابنه من العقاب ؟ فرد المختار قائلاً : إن هذا الشاب يعترف بما اقترفته يداه ورجا القائد أن يتأكد بنفسه من الشاب، ولما سؤل الشاب عن صحة ما جاء على لسان المختار أجاب قائلا: نعم، أنا الذي أطلقت الرصاص على الجندي!
كان المختار مرتبكا قلقا وعندما أُطلق سراح ابنه، سارع الخطى ليخرج من المأزق وقد تبادلت معهما للحظة خاطفة نظرات مشحونة بالقلق والتردد والحيرة.
أمر قائد الفرقة أفرادا من الحماية بوضع الشاب قرب الجدار ورفع ذراعه اليسرى إلى الأعلى لتنفيذ العقوبة التي ارتأاها، ولما تم وضع الشاب "وإعداده" على الصورة المطلوبة دخل بعض الجنود في مناقشة بينهم حول من سيقوم بإطلاق النار !
كم تمنيت أن أكون سارحا في خيال يحملني بعيدا عن هذا المشهد! ورددت مع نفسي،رباه، هل إن ما يجري أمامي حلم أم كابوس!!تبا لمثل هذا الواقع المؤلم ...ها نحن نتحول من قادة وضباط يحترمنا الجنود والناس إلى رجال لا يهمهم سوى إلحاق الظلم بالآخرين وإدانتهم دون دليل!
فيا لها من لعنة!
كنت أتابع ملامح الحيرة التي ارتسمت على وجه قائد الفرقة وحقيقة المأزق الذي دخل فيه، فهو متردد، إذ إن الأمور كانت غير محسومة لصالح الانتفاضة وان خوفه من الغــد يجبره علــى تنفيذ الأوامر القاسية ولو بشيء من المرونة.
في تلك اللحظة عزمت دون تردد أن افعل ما يمليه علي ضميري.. فاقتربت من الشاب وسألته بعطف ظاهر:
- هل أنت أطلقت النار حقا على الجندي ؟ -كنت أتوقع أن ينفي ذلك كي أتمكن من مساعدته - ولكنه أجابني بهدوء:
- نعم، أنا أطلقت الرصاص على الجندي، ولم يضغط عليّ المختار للاعتراف بذلك، بعد الذي سمعته من الشاب أصبح موقفي اكثر حراجة فاتجهت إلى قائد الفرقة الذي كان ينتظر ابتعادي عن الشاب ليصدر أمر الرمي وقلت له:
- ربما سنرتكب خطأ بحقه، فقد لا يكون هو الفاعل، وربما تصيب الرصاصة رأسه فتقتله، كما إن إصابة جندينا بسيطة !
طلب مني القائد أن أوضح قصدي، فأجبته بصوت خافت "نعفيه !" فوافق على الفور واصدر أمره بالعفو عن الشاب وكأنه كان ينتظر مثل هذه المشورة منذ حين!
شعرنا بارتياح كبير عندما أطلق سراح الشاب وشاهدناه يخرج مسرعا ليلحق بالمختار وابنه وكان لهذه الحادثة صدى حسن لدى الجنود القريبين منا الذين حضروا المشهد وعاشوا تفاصيل الحدث وسرعان ما انتشر الخبر بين كافة منتسبي الفرقة وكان له وقع كبير في النفوس.
مشاعر … مشتركة .. !
كانت تجمعنا مشاعر خفية بالحفاظ على الضبط العسكري للتشكيلات المنفذة دون القيام بارتكاب أعمال عنف ضد أهل "مدينة الدير" وكان شعورنا المشترك يتركز حول حقيقة تتلخص، بأننا لا يمكن أن نشارك في قتل شعبنا، فالجيش العراقي ذو تاريخ مشرف وعلاقته بالشعب كانت دوما حسنة وتعبر عن روابط تأريخية تمتد جذورها عميقا من الشمال إلى الجنوب حين يتذكر أبناء الجيش ما قدمه الأجداد من تضحيات من أجل نيل الاستقلال الوطني الناجز وطرد المستعمرين والآن هم أحفاد أولئك الأبطال الذين عمدوا استقلال الوطن بدمائهم الزكية، فهل يتنكرون للتاريخ الذي خط الأجداد صفحاته بالدم ؟ وهل ينسون مواقف الجيش الوطنية في تلاحمه مع الشعب في الوثبات والانتفاضات والثورات ؟ كان كل ذلك يذكرهم وبإلحاح بأنهم الفصيلة المسلحة للشعب وانهم الآن في موقف غير جدير بهم بل هم في "ورطة" حقيقية!
إذ، كيف يقدم الجيش على قتل أحفاد أولئك الرجال الذين جعلوا من العراق كياناً مستقلاً بين شعوب المنطقة في مطلع هذا القرن؟
كنا نتداول هذه العبارات مع بعضنا حين نلتقي وكان فيها ما يكفي من المعاني بعدم تنفيذ الأوامر المشددة الصادرة من بغداد والقاضية بقمع الانتفاضة بكل السبل والوسائل وكانت لغة العيون وسيلتنا في التعبير عن المشاعر الكامنة والأحاسيس المشتركة التي كانت تجمعنا في تلك اللحظات الصعبة. ولقد لمست عند انتشار الجنود في المدينة والقرى المطلوب تدميرها إن جميع منتسبي الفرقة يتعاطفون مع أهالي المدينة وقراها وسرعان ما أدرك الأهالي أن الفرقة التي وصلت إلى المدينة لا تنوي إيذاء الناس.
وفي الحقيقة، لم يحدث في المدينة ما يدعو إلى استخدام القوة، وكان كل ما حدث هو حرق وتحطيم لتماثيل وجداريات صدام ونهب "المدخر"، علما أن المدينة كانت تعيش في حالة حظر التجوال وإضراب غير معلنين
وعادت التشكيلات بعد أن أتمت واجبها في فرض الأمن والسيطرة على "الدير"، ليس بإطلاق النار أو هدم البيوت أو إعدام الناس عشوائيا بل من خلال استعراض للقوة وتظاهر محدود بالتشدد.
وفي الثانية بعد الظهر، ذهبت إلى مقر الفيلق حيث جناح القائد وكان اللواء الركن "صباح نوري العجيلي" رديفا * لقائد الفيلق الذي اختير عضوا في مفاوضات صفوان وجلس إلى جانبه العميد الركن "عبد المنعم سليمان" وكيل رئيس أركان الفيلق واللواء "فاضل الشيخلي" مدير صنف المخابرة.
كانت غرفة القائد مظلمة عند دخولي والقائد الرديف يتحدث بهدوئه المعروف مع ضيفه ورئيس أركانه، أديت التحية العسكرية وأبلغته بتنفيذ "الواجب والسيطرة" على "الدير" وتفقدنا المدخر وأردفت قائلا:
- الوضع هادئ هناك ولا يوجد ما يؤثر على الأمن.
أجابني بعد ان نطقت نظراته بعدم الرضا قائلا:
- لكنكم لم تنفذوا مثلما طلبنا منكم !
وشعرت بأن القائد الرديف سيقودني إلى إحراج، فتجاهلت كلماته وخرجت من الغرفة.
جثث تطفو .. !؟
في الممر المؤدي إلى جناح شعبة أمن الفيلق، شاهدت عشرات الجنود يجلسون القرفصاء وأيديهم فوق رؤوسهم وتحيط بهم عناصر مسلحة من أمن الفيلق بأمرة ضباط أمن يقفون على مقربة منهم وكأن هؤلاء الجنود مجرمو حرب أو لصوص أو خونة وليس من طريقة يعالجون بها إلا هذا الازدراء وهذه النهاية المعروفة سلفا بسلبهم رمق الحياة وإذا كانت عناصر الأمن المسلحة وضباط الأمن يستأسدون على أفراد عزل ضعاف أمامهم، فهل يتصورون أن في ذلك إعلاءاً لشأن الوطن وإكراما لمقاتلين بواسل عادوا من ساحة موت محقق! أم انهم يقومون بعملية بهرجة لصورة نظام سقط إلى الحضيض ويحاول انتشال نفسه بإخماد الأنفاس ليقف على جماجم وأشلاء أبناء شعب يأس وهو يسير من غير هدف وفق أوامر لم يمارسها حتى الشياطين في القصص الخرافية!
حينذاك استوقفني نداء استغاثة أطلقه ثلاثة من الجنود "سيدي .. سيدي"، وتابع أحدهم شارحا لي حالهم:
- "سيدي .. الله يخليك .. احنه من اللواء المدرع / 16، انسحبنه من الكويت مع اللواء ويتهمونه غوغاء" !
إن ما صدر من هذا الجندي ليس مما يضعه في موقف الدفاع عن نفسه، بل انه تقرير عن حالات بديهية لا تستحق هذا الغلو في الحقد والإذلال وهو يعلم أن ندائه هو صرخة ما قبل الموت وإنها مثل صرخة في واد ونفخة في رماد، بل ويعلم اكثر من ذلك، إن الجواب الذي سيأتيه من هذه العناصر هو "ولقد قضيت من الغريم ديوني" ورب سائل، يسأل، هل إن هذه الديون هي للجنود الذين خاضوا حرب الثمان سنوات ضد إيران ورسموا صور المعارك بتضحياتهم ولونوها بدمائهم وعادوا معوقين مدى الحياة، الجنود الذين سيقوا إلى الكويت ليقفوا حيارى أمام قوات التحالف الدولي لتنثرهم بعد حين في متاهـات الصحـارى وبطــون الوديان، أم أن هذه الديون ضد هؤلاء الجنود ولتحصيلها ينصّب الجاني نفسه حاكما يخيل إليه انه يحكم بالعدل والقسطاط بينما هو غارق في أوحال الجريمة !!!
كان هؤلاء الجنود الثلاثة يستنجدون بي حيث كنت آمر لوائهم السابق ورئيس أركان فرقتهم الحالي، فهم يعرفونني جيدا ووجوههم مألوفة عندي وقد ترك الخوف والرعب على ملامحهم آثارا لا تنسى وكأنهم في وادي الموت وها هم يمدون لي أياديهم أملا في انتشالهم.
نظرت إلى جماعة الأمن بحثا عن آمرهم الرائد " ....." وقلت له:
- هؤلاء الجنود الثلاثة من أبطال الفرقة المدرعة السادسة وقد انسحبوا مع تشكيلاتهم من الكويت، فما هي علاقتهم بالغوغاء ؟ يجب إطلاق سراحهم.
كان الرائد " ....... " لبقا، لكنه خبيث ودموي.. فأجابني:
- "سيدي ... تأمر أمر ... سنجري معهم تحقيقا بسيطا للتأكد من سلامة موقفهم ونطلق سراحهم بعد عرض الموضوع على السيد قائد الفيلق الذي سيعود بعد ساعات .. سيدي تدلل .. اطمئن عليهم"!
سرت بين الجنود موجة ارتياح وهم يسمعون كلمات ضابط الأمن فكبر في أعماقهم أمل في النجاة وتبادلوا النظرات وأشرقت على وجوههم ابتسامات مشوبة بالحذر، أما أنا، ففي قرارة نفسي كنت أرى في عبارات الرائد وكلماته التي تحمل التردد شيئا لا يتناسب مع واقع سيرته وسلوكه لأنه كان عندما يجيبني كأنه يقوم بتمثيل دور اسند إليه.
وفي الساعة العاشرة من تلك الليلة، سمعنا أصوات طلقات بنادق كلاشنكوف متقطعة تارة ومتواصلة أخرى مصدرها جناح الأمن، واستمرت هذه الطلقات عشر دقائق وظننت ذلك احتفالا بعودة قائد الفيلق من المفاوضات! وفي الصباح، وكانت الوساوس تسري في أوصالي عن حياة الجنود الثلاثة وأصوات الطلقات، أرسلت ضابط التوجيه السياسي الرائد (فرحان السلماني)، للاستفسار عن أوضاعهم، وحين عاد، كنت قد لمحت على وجهه غمامة حزن .. قال:
- اعدموا ... ! ليلة البارحة ... ! سيدي، ... وألقيت جثثهم في شط العرب!
ارتسمت في تلك اللحظة أمامي ملامح الجنود الثلاثة والوضعية التي كانوا فيها وهم يستنجـــدون بي لإنقاذهم وتأكدت شكوكي عما كان يخفي الرائد * من نية وعزم على إعدامهم، ومع ذلك، كنت أتساءل عن الطريقة التي اعدموا بها، وهل تم إعدامهم بموافقة قائد الفيلق الذي عاد من صفوان توا ؟ ومع علمي انه كانت هناك صلاحيات لتنفيذ حكم الإعدام بأي مشتبه به دون الرجوع إلى المراتب العليا، إلا أن هذه الصلاحيات لم يستخدمها إلا نفر قليل جدا وهم يفعلون ذلك إما لأنهم كانوا خائفين من تقارير ترفع عنهم أو نفذوها بإلحاح مباشر من مسؤولي الأمن ولذلك كنت في قرارة نفسي اتهم ضابط الأمن الرائد " ... " في إعدام الجنود الثلاثة والعشرات غيرهم !
لقد كانت مكاتب الأمن هدفا مباشرا لثوار الانتفاضة والجنود الذين التحقوا بها لان هذه المكاتب إضافة إلى سوء تصرف منتسبيها وتدني أخلاقهم، كانت مراكز لجمع المعلومات عن الضباط والمراتب وقد استولى شباب الانتفاضة على هذه المكاتب ومزقوا بعض أضابيرها واحرقوا البعض الآخر وحملت الريح ما تبقى منها إلى مختلف الاتجاهات ووصلت بعض بقاياها إلى حدودنا الشرقية مع إيران وبعد أن تسربت المعلومات الموجودة في الأضابير بات كل منا يعرف ما كان مكتوبا عنه في التقارير وقد أصبحت محتوياتها مادة للحديث..
مرة، جاءني أحد الضباط يحمل ورقة ملطخة بالطين قطع أحد أطرافها وكتب على جانبها الأيسر العلوي عبارة "جهاز الأمن الخاص"، وكان واضحا أنها مرسلة إلى قيادة الفرقة المدرعة السادسة عام 1988 وتتضمن معلومات عني ..
قال لي الضابط الشاب:
- وجدتها على جانب الطريق العام، خارج الفرقة، عندما كنت أتمشى مساءا، فتبين لي كيف لجأ مسؤولو الأمن والتنظيم الحزبي إلى الكذب لإظهار إخلاصهم للنظام، فقد ادعوا انهم احرقوا محتويات المكتب أو ذاتية الشعبة قبل انسحابهم كلية وهم يرددون .. "إضبارة ... إضبارة .. هكذا اخبروني في البداية!
، ¢ ¢